تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
ولم يعينه بالقول . فالظاهر : أنه لا يزال في ضمانه ولا يزول ملكه عنه ، إلا بذبحه ودفعه إلى مستحقيه ، ولذا إن عطب في الطريق فله التصرف فيه بما شاء من أكل وبيع ، لأنه لم يزل في ملكه ، وهو مطالب بأداء الهدي الواجب عليه بشيء آخر غير الذي عطب ، لأنه عطب في ضمانه ، فهو بمنزلة من عليه دين فحمله إلى مستحقه بقصد دفعه إليه ، فتلف قبل أن يوصله إليه : فعليه قضاء الدين بغير التالف ، لأنه تلف في ذمته وإن تعيب الهدي المذكور قبل بلوغه محله ، فعليه بدله سليما ويفعل بالذي تعيب ما شاء ، لأنه لم يزل في ملكه ، وضمانه . والذي يظهر أن له التصرف فيه ، ولو لم يعطب ، ولم يتعيب ، لأن مجرد نية إهدائه عن الهدي الواجب لا ينقل ملكه عنه ، والهدي المذكور لازم له في ذمته ، حتى يوصله إلى مستحقه . والظاهر : أن له نماءه . وأما الحالة الثانية : وهي ما إذا نواه وعينه بالقول كأن يقول : هذا هو الهدي الواجب علي . والظاهر : أن الإشعار والتقليد كذلك . فالظاهر : أنه يتعين الوجوب فيه من غير أن تبرأ الذمة ، فليس له التصرف فيه ما دام سليما ، وإن عطب أو سرق أو ضل أو نحو ذلك لم يجزه ، وعاد الوجوب إلى ذمته . فيجب عليه هدي آخر ، لأن الذمة لا تبرأ بمجرد التعيين بالنية والقول أو التقليد والإشعار . والظاهر : أنه إن عطب فعل به ما شاء ، لأن الهدي لازم في ذمته ، وهذا الذي عطب صار كأنه شيء من ماله لا حق فيه لفقراء الحرم ، لأن حقهم باق في الذمة ، فله بيعه وأكله ، وكل ما شاء . وعلى هذا جمهور أهل العلم . وعن مالك يأكل ويطعم من شاء من الأغنياء والفقراء ، ولا يبيع من شيئا ، وإن بلغ الهدي محله فذبحه وسرق : فلا شيء عليه عند أحمد . قال في المغني : وبهذا قال الثوري وابن القاسم صاحب مالك ، وأصحاب الرأي . وقال الشافعي : عليه الإعادة ، لأنه لم يوصل الحق إلى مستحقه ، فأشبه ما لو لم يذبحه . ولنا أنه أدى الواجب عليه ، فبرئ منه كما لو فرقه . ودليل أنه أدى الواجب : أنه لم يبق إلا التفرقة ، وليست واجبة ، بدليل أنه لو خلى بينه ، وبين الفقراء أجزأه . ولذلك لما نحر النبي صلى اللّه عليه وسلم البدنات قال : « من شاء اقتطع » « 1 » . انتهى محل الغرض من المغني . وأظهر القولين عندي : أنه لا تبرأ ذمته بذبحه : حتى يوصله إلى المستحقين ، لأن المستحقين إن لم ينتفعوا به ، لا فرق عندهم بين ذبحه وبين بقائه حيا ، ولأن اللّه تعالى يقول
وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ
( 28 ) [ الحج : 28 ] ويقول
وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ
[ الحج : 36 ] والآيتان تدلان على لزوم التفرقة ، والتخلية بينه ، وبين الفقراء يقتسمونه تفرقة ضمنية ، لأن الإذن لهم في ذلك ، وهو متيسر لهم كإعطائهم إياه بالفعل والعلم عند اللّه تعالى . وقول من قال : إن الهدي المذكور إن تعيب في الطريق فعليه نحره ، ونحر هدي آخر غير معيب لا
هامش
( 1 ) . أخرجه عن عبد اللّه بن قرط أبو داود في المناسك حديث 1765 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 399 | الشنقيطي