تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١

تنبيه

الأظهر عندي أنه إذا عين هديا بالقول ، أو التقليد ، والإشعار ثم ضل ثم نحر هديا آخر مكانه ثم وجد الهدي الأول الذي كان ضالا : أن عليه أن ينحره أيضا ، لأنه صار هديا للفقراء . فلا ينبغي أن يرده لملكه ، مع وجوده ، وكذلك إن عين بدلا عنه ، ثم وجد الضال ، فإنه ينحرهما معا . قال ابن قدامة في المغني : وروي ذلك عن عمر وابنه ، وابن عباس ، وفعلته عائشة رضي اللّه عنهم . وبه قال مالك ، والشافعي ، وإسحاق ، ويتخرج على قولنا فيما إذا تعيب الهدي ، فأبدله فإن له أن يصنع ما شاء أن يرجع إلى ملك أحدهما ، لأنه قد ذبح ما في الذمة ، فلم يلزمه شيء آخر ، كما لو عطب المعين وهذا قول أصحاب الرأي . ووجه الأول : ما روي عن عائشة رضي اللّه عنها : أنها أهدت هديين ، فأضلتهما ، فبعث إليها ابن الزبير هديين فنحرتهما ، ثم عاد الضالان فنحرتهما ، وقالت : هذه سنة الهدي رواه الدارقطني « 1 » . وهذا ينصرف إلى سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولأنه تعلق حق اللّه بهما بإيجابهما أو ذبح أحدهما ، وإيجاب الآخر . انتهى محل الغرض من المغني . وليس في المسألة شيء مرفوع . والأحوط : ذبح الجميع كما ذكرنا أنه الأظهر ، والعلم عند اللّه تعالى . واعلم : أن الهدي إن كان معينا بالنذر من الأصل ، بأن قال : نذرت إهداء هذا الهدي بعينه أو معينا تطوعا ، إذا رآه صاحبه في حالة يغلب على الظن : أنه سيموت ، فإنه تلزمه ذكاته ، وإن فرط فيها حتى مات كان عليه ضمانه ، لأنه كالوديعة عنده . أما لو مات بغير تفريطه ، أو ضل أو سرق ، فليس عليه بدل عنه كما أوضحناه ، لأنه لم يتعلق الحق بذمته بل بعين الهدي . والأظهر عندي : إن لزمه بدله بتفريطه أنه يشتري هديا مثله ، وينحره بالحرم بدلا عن الذي فرط فيه ، وإن قيل : أنه يلزمه التصدق بقيمته على مساكين الحرم ، فله وجه من النظر . واللّه أعلم . ولا نص في ذلك ولنكتف بما ذكرنا هنا من أحكام الهدي ، وسيأتي إن شاء اللّه تفصيل ما يجوز الأكل منه ، وما لا يجوز من الهدايا .

تنبيه

قد قدمنا في سورة البقرة : أن القرآن دل في موضعين ، على أن نحر الهدي قبل الحلق ، والتقصير يوم النحر ، وبينا أنه لو قدم الحلق على النحر لا شيء عليه ، وأوضحنا ذلك في الكلام على قوله تعالى :
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
[ البقرة : 196 ] .
هامش
( 1 ) . كتاب الحج حديث ( 29 ) 2 / 242 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 401 | الشنقيطي