المقيد ، عند جماهير أهل العلم . ولا سيما إن اتحد الحكم ، والسبب كما هنا .
أما حجة من قال : بوجوب ركوب الهدي ، فهي ظاهرة السقوط ، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يركب هديه كما هو معلوم . وأما حجة : من أجاز الركوب مطلقا ، فهو قوله صلى اللّه عليه وسلم « ويلك اركبها » وقوله تعالى
لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
[ الحج : 33 ] على أحد التفسيرين ، ولا تنهض به الحجة فيما يظهر ، لأنه محمول على كونه تدعوه الضرورة إلى ذلك ، بدليل حديث جابر عند مسلم الذي ذكرناه آنفا فهو أخص نص في محل النزاع ، فلا ينبغي العدول عنه ، والعلم عند اللّه تعالى ، والظاهر أن شرب ما فضل من لبنها ، عن ولدها لا بأس به ، لأنه لا ضرر فيه عليها ولا على ولدها . وقال بعض أهل العلم : إن ركبها الركوب المباح للضرورة ونقصها ذلك : فعليه قيمة النقص يصدق بها . وله وجه من النظر . والعلم عند اللّه تعالى .
وإنما قلنا : إن الظاهر أنه لا فرق في الحكم المذكور بين الهدي الواجب وغيره ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم قال لصاحب البدنة « اركبها » وهي مقلدة نعلا ، وقد صرح له تصريحا مكررا بأنها بدنة ، ولم يستفصله النبي صلى اللّه عليه وسلم ، هل تلك البدنة من الهدي الواجب أو غيره ، وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال كما تقدم إيضاحه مرارا . وقد أشار إليه في مراقي السعود بقوله :
ونزلن ترك الاستفصال * منزلة العموم في الأقوال
مسألة في حكم الهدي إذا عطب في الطريق أو بعد بلوغ محله
اعلم أولا أن الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه : أن من بعث معه هدي إلى الحرم فعطب في الطريق ، قبل بلوغ محله : أنه ينحره ثم يصبغ نعليه في دمه ، ويضرب بالنعل المصبوغ بالدم صفحة سنامها ، ليعلم من مر بها أنها هدي ويخلى بينها وبين الناس ، ولا يأكل منها هو ، ولا أحد من أهل رفقته المرافقين له في سفره .
وإنما قلنا : إن هذا هو الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه : لثبوته عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في الصحيح ، فقد روى مسلم في صحيحه ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ما لفظه « بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بست عشرة بدنة ، مع رجل وامرأة فيها قال : فمضى ثم رجع فقال : يا رسول اللّه ، كيف أصنع بما أبدع على منها ؟ قال : انحرها ، ثم اصبغ نعليها في دمها ثم اجعله على صفحتها ، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك » انتهى من صحيح مسلم « 1 » .
وفي رواية في صحيح مسلم ، عن ابن عباس « أن ذؤيبا أبا قبيصة حدثه أن
هامش
( 1 ) . كتاب الحج حديث 377 .