تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
ولو لم يجمع الهدي بين حل وحرم ، وجمع هديه صلى اللّه عليه وسلم بين الحل والحرم ، محتمل للأمر الجبلي ، فلا يتمحض لقصد التشريع ، لأن تحصيل الهدي أسهل عليه من بلده ، ولأن الإبل التي قدم بها علي من اليمن تيسر له وجودها هناك ، واللّه جل وعلا أعلم . فحصول الهدي في الحل يشبه الوصف الطردي ، لأنه لم يتضمن مصلحة كما ترى ، والعلم عند اللّه تعالى . ولا خلاف بين أهل العلم : في أن المهدي إن اضطر لركوب البدنة المهداة في الطريق ، أن له أن يركبها لما ثبت في الصحيحين ، عن أبي هريرة : « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال : اركبها . قال : يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إنها بدنة ، فقال : اركبها ويلك في الثانية أو في الثالثة » هذا لفظ مسلم « 1 » ، ولفظ البخاري فقال « اركبها فقال : إنها بدنة فقال : اركبها ، قال : إنها بدنة فقال : اركبها ، ويلك في الثانية أو في الثالثة » « 2 » وروى مسلم نحوه عن أنس « 3 » ، وجابر « 4 » رضي اللّه عنهما . واعلم : أن أهل العلم اختلفوا في ركوب الهدي ، فذهب بعضهم إلى أنه يجوز للضرورة دون غيرها ، وهو مذهب الشافعي ، قال النووي : وبه قال ابن المنذر ، وهو رواية عن مالك ، وقال عروة بن الزبير ، ومالك ، وأحمد وإسحاق : له ركوبه من غير حاجة ، بحيث لا يضره . وبه قال أهل الظاهر ، وقال أبو حنيفة : لا يركبه ، إلا إن لم يجد منه بدا ، وحكى القاضي عن بعض العلماء : أنه أوجب ركوبها لمطلق الأمر ولمخالفة ما كانت الجاهلية عليه ، من إهمال السائبة والبحيرة والوصيلة والحام . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : أظهر الأقوال دليلا عندي في ركوب الهدي ، واجبا أو غير واجب : هو أنه إن دعته ضرورة لذلك جاز وإلا فلا ، لأن أخص النصوص الواردة في ذلك بمحل النزاع . وأصرحها فيه ما رواه مسلم في صحيحه . وحدثني محمد بن حاتم ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج : أخبرني أبو الزبير قال : سمعت جابر بن عبد اللّه ، سئل عن ركوب الهدي ؟ فقال : سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا » وفي رواية عنه في صحيح مسلم : « اركبها بالمعروف حتى تجد ظهرا » ا ه . فهذا الحديث الصحيح فيه التصريح منه صلى اللّه عليه وسلم بأن ركوب الهدي إنما يجوز بالمعروف ، إذا ألجأت إليه الضرورة ، فإن زالت الضرورة بوجود ظهر يركبه غير الهدي : ترك ركوب الهدي ، فهذا القيد الذي في هذا الحديث تقيد به جميع الروايات الخالية عن القيد ، لوجوب حمل المطلق على
هامش
( 1 ) . كتاب الحج حديث 371 . ( 2 ) . كتاب الحج حديث 1689 . ( 3 ) . كتاب الحج حديث 373 و 374 . ( 4 ) . كتاب الحج حديث 375 و 376 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 396 | الشنقيطي