الجمهور تخصيص المنطوق بالمفهوم كتخصيص عموم : « في أربعين شاة شاة » « 1 » وهو منطوق بمفهوم المخالفة في حديث « في الغنم السائمة زكاة » « 2 » عند من يقول بذلك .
والحاصل : أن المبين باسم الفاعل ، يجوز أن يكون دون المبين باسم المفعول في السند ، وفي الدلالة ، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله :
وبين القاصر من حيث السند * أو الدلالة على ما يعتمد
وقد أوضحنا هذا ، وذكرنا كلام أهل العلم فيه في ترجمة هذا الكتاب المبارك .
وقد يترجح عند الناظر عدم صومها للمتمتع من وجهين :
الأول : أن عدم صومها مرفوع رفعا صريحا ، وصومها موقوف لفظا ، مرفوع حكما على المشهور ، والمرفوع صريحا أولى بالتقديم من المرفوع حكما .
والثاني : أن الجواز والنهي ، إذا تعارضا قدم النهي ، لأن ترك مباح أهون من ارتكاب منهي عنه ، وقد يحتج المخالف ، بأن دليل الجواز خاص بالمتمتع ، ودليل النهي عام ، والخاص يقضي على العام ، والعلم عند اللّه تعالى . فإن أخر صوم الأيام الثلاثة ، عن يوم عرفة فقد فات وقتها على القول ، بأن أيام التشريق لا يصومها المتمتع ، وعلى القول بأنه يصومها إنما يخرج وقتها بانتهاء أيام التشريق وهل عليه قضاؤها بعد ذلك ؟ لا أعلم في ذلك نصا من كتاب اللّه ولا من سنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم .
والعلماء مختلفون في ذلك فقال بعضهم : يقضيها فيصوم عشرة ، ومن قال بهذا القول ، من أهل العلم اختلفوا ، هل يفرقها ، فيفصل بين الثلاثة ، والعشرة ، بمقدار ما وجب التفريق بينهما في الأداء ، لو لم تفت في وقتها بناء على أن تقديم الثلاثة على السبعة لا يتعلق بالوقت ، فلم يسقط كترتيب أفعال الصلاة ، أوليس عليه تفريقها ، بل يجوز أن يصوم العشرة كلها متوالية ، بناء على أن التفريق وجب بحكم الوقت المعين ، وقد فات ، فسقط كالتفريق بين الصلوات التي فاتت أوقاتها ، فإنها تقضي متوالية ، لا متفرقة على أوقاتها حسب الأداء لو لم تفت ، والتفريق بين الثلاثة والسبعة في الصوم هو مذهب الشافعي ، وعدمه : مذهب أحمد ، وعلى قول من قالوا : بلزوم قضاء الأيام الثلاثة ، بعد خروج وقتها .
فبعضهم يقول : لا دم على المتمتع ، لأنه قضى ما فات ، وهو مذهب الشافعي .
وقيل : عليه دم مع القضاء ، لأجل التأخير ، وجزم به الخرقي وهو مروي عن أحمد . وقال القاضي : إن أخره لعذر ، فليس عليه إلا القضاء ، ولا دم . وعن أحمد لا دم مع القضاء بحال .
هامش
( 1 ) . أخرجه أبو داود في الزكاة حديث 1568 ، والترمذي في الزكاة حديث 621 .
( 2 ) . أخرجه عن أنس بن مالك البخاري في الزكاة حديث 1454 .