تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
فيه . وقال عطاء : عمرته في الشهر الذي يحل فيه ، وهو قول مالك . وقال أبو حنيفة : إن طاف للعمرة أربعة أشواط ، قبل أشهر الحج فليس بمتمتع ، وإن طاف الأربعة في أشهر الحج ، فهو متمتع . لأن العمرة صحت في أشهر الحج ، بدليل أنه لو وطئ أفسدها ، فأشبه إذا أحرم بها في أشهر الحج . قاله في المغني واللّه تعالى أعلم . الشرط الثاني : أن يحج في نفس تلك السنة ، التي اعتمر في أشهر الحج منها . أما إذا كان حجه في سنة أخرى : فلا دم عليه . قال صاحب المهذب : وذلك لما روى سعيد بن المسيب قال : كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعتمرون في أشهر الحج فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك ، لم يهدوا ، قال : ولأن الدم إنما يجب لترك الإحرام بالحج من الميقات وهذا لم يترك الإحرام بالحج من الميقات ، فإنه إن أقام بمكة صارت مكة ميقاته ، وإن رجع إلى بلده ، وعاد فقد أحرم من الميقات . وقال النووي في الأثر المذكور : المروي عن ابن المسيب حسن رواه البيهقي بإسناد حسن « 1 » ، ولا يخفى سقوط قول الحسن : إنه متمتع وإن لم يحج من عامه . الشرط الثالث : أن لا يعود إلى بلده ، أو ما يماثله في المسافة . وقال بعضهم : يكفي في هذا الشرط ، أن يرجع إلى ميقاته فيحرم بالحج منه ، وبعضهم يكتفي بمسافة القصر بعد العمرة ، ثم يحرم للحج من مسافة القصر . والحاصل : أن الأئمة الأربعة متفقون على أن السفر بعد العمرة ، والإحرام بالحج من منتهى ذلك السفر مسقط لدم التمتع ، إلا أنهم مختلفون في قدر المسافة ، فمنهم من يقول : لا بد أن يرجع بعد العمرة في أشهر الحج ، إلى المحل الذي جاء منه ، ثم ينشئ سفرا للحج ويحرم من الميقات . وبعضهم يقول : يكفيه أن يرجع إلى بلده أو يسافر مسافة مساوية لمسافة بلده ، وبعضهم يكفي عنده سفر مسافة القصر ، وبعضهم يقول : يكفيه أن يرجع لإحرام الحج إلى ميقاته ، وقد قدمنا أقوالهم مفصلة ، ودليلهم في ذلك ما فهموه من قوله تعالى
ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
[ البقرة : 196 ] قالوا : لا فرق بين حاضري المسجد الحرام ، وبين غيرهم ، إلا أن غيرهم ترفهوا بإسقاط أحد السفرين الذي هو السفر للحج ، بعد السفر للعمرة ، وإن سافر للحج بعد العمرة زال السبب ، فسقط الدم بزواله ، وعضدوا ذلك بآثار رووها ، عن عمر وابنه رضي اللّه عنهما ، وقد قدمنا قولي العلماء في الشيء الذي ترجع إليه الإشارة في قوله :
ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
وناقشنا أدلتهما ، وبينا أنه على القول الذي يراه البخاري رحمه اللّه ، ومن وافقه : أن الإشارة راجعة إلى نفس التمتع وأن أهل مكة لا متعة لهم أصلا ، فلا دليل في الآية على أقوال الأئمة التي ذكرنا ، وعلى القول الآخر أن الإشارة راجعة إلى حكم التمتع وهو لزوم ما استيسر من
هامش
( 1 ) . السنن الكبرى ، كتاب الحج 4 / 356 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 347 | الشنقيطي