والحاصل : أن ثلاثة من الدماء الأربعة المذكورة ، قد قدمنا الكلام على كل واحد منها ، بغاية الإيضاح ، والاستيفاء فدم الفدية قدمناه في مبحث آية الحج التي هي :
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ
الآية . في جملة مسائل الحج ، التي ذكرنا في الكلام عليها .
ودم جزاء الصيد قد قدمنا الكلام عليه مستوفى في المائدة في الكلام على قوله تعالى :
هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً
الآية .
ودم الإحصار قد قدمنا الكلام عليه مستوفى في البقرة ، في الكلام على قوله
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ .
وأما هدي التمتع ، فلم يتقدم لنا فيه إيضاح ، وسنبينه الآن .
أما التمتع بالعمرة فمعلوم : أن كل من اعتمر في أشهر الحج ، ثم حل من عمرته ، ثم حج من عامه ، ولم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أنه متمتع .
وقد بينا أن الصحابة بينوا أنه يشمل القران من حيث إن كلا منهما عمرة في أشهر الحج مع الحج ، وإن كان بين حقيقتيهما اختلاف كما هو واضح .
اعلم أولا : أن العلماء اشترطوا لوجوب هدي التمتع شروطا .
منها : ما هو مجمع عليه .
ومنها : ما هو مختلف فيه .
الأول : أن يعتمر في أشهر الحج فإن اعتمر في غير أشهر الحج ، لم يلزمه دم ، لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج ، فلم يلزمه دم كالمفرد ، ولا يخفى سقوط قول طاوس :
إنه متمتع ، كما لا يخفى سقوط قول الحسن : إن من اعتمر بعد النحر فهو متمتع .
وقال ابن المنذر : لا نعلم أحدا قال بواحد من هذين القولين . قاله في المغني فإن أحرم بها في غير أشهر الحج ، ولكنه أتى بأفعالها في أشهر الحج ، ففي ذلك للعلماء قولان :
أحدهما : يجب عليه الدم نظرا إلى أفعال العمرة الواقعة في أشهر الحج .
والثاني : لا يجب عليه دم نظرا إلى وقوع الإحرام ، قبل أشهر الحج ، وهو نسك لا تتم العمرة بدونه ، ولكليهما وجه من النظر ، ولا نص فيهما ، وممن قال بأنه لا دم عليه ، وأنه غير متمتع : الإمام أحمد .
قال في المغني : ونقل معنى ذلك ، عن جابر ، وأبي عياض ، وهو قول إسحاق ، وأحد قولي الشافعي ، وقال طاوس عمرته : في الشهر الذي يدخل فيه الحرم . وقال الحسن ، والحكم ، وابن شبرمة ، والثوري ، والشافعي في أحد قوليه : عمرته في الشهر الذي يطوف