تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
الدين المذكور في قوله
انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ
انقلاب عما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة
ثُمَّ لْيَقْطَعْ
قرأه أبو عمرو ، وابن عامر ، وورش ، عن نافع بكسر اللام على الأصل في لام الأمر ، وقرأه الباقون بإسكان اللام تخفيفا . قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
إلى قوله
إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 18 )
[ 18 ] . قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في مواضع من هذا الكتاب المبارك ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . قوله تعالى :
فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ ( 19 ) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ( 20 ) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ( 21 )
[ 19 - 21 ] . ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، من أنواع عذاب أهل النار ، أعاذنا اللّه وإخواننا المسلمين منها ، ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل ، جاء مبينا في آيات أخر من كتاب اللّه ، فقوله هنا
قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ
أي قطع اللّه لهم من النار ثيابا ، وألبسهم إياها تنقد عليهم كقوله فيهم
سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ
[ إبراهيم : 50 ] والسرابيل : هي الثياب التي هي القمص ، كما قدمنا إيضاحه ، وكقوله
لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ
[ الأعراف : 41 ] والغواشي : جمع غاشية : وهي غطاء كاللحاف ، وذلك هو معنى قوله هنا
قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ
وقوله تعالى هنا
يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ
( 19 ) ذكره أيضا في غير هذا الموضع كقوله
ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ ( 48 ) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
( 49 ) [ الدخان : 48 - 49 ] والحميم : الماء البالغ شدة الحرارة ، وكقوله تعالى
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ
[ الكهف : 29 ] الآية . وقوله هنا
يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ
أي يذاب بذلك الحميم ، إذا سقوه فوصل إلى بطونهم ، كل ما في بطونهم من الشحم والأمعاء وغير ذلك ، كقوله تعالى
وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ
( 15 ) [ محمد : 15 ] والعرب تقول : صهرت الشيء فانصهر ، فهو صهير : أي أذبته فذاب ، ومنه قول ابن أحمر يصف تغذية قطاة لفرخها في فلاة من الأرض :
تروي لقي ألقى في صفصف * تصهره الشّمس فما ينصهر
أي تذيبه الشمس ، فيصبر على ذلك ، ولا يذوب ، وقوله : والجلود الظاهر أنه معطوف على « ما » من قوله
يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ
التي هي نائب فاعل يصهر ، وعلى هذا الظاهر المتبادر من الآية ، فذلك الحميم يذيب جلودهم ، كما يذيب ما في بطونهم ؛ لشدة حرارته . إذ المعنى : يصهر به ما في بطونهم ، وتصهر به الجلود ؛ أي جلودهم ، فالألف واللام
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 34 | الشنقيطي