تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
لا يستطيع الارتقاء إلى السماء ومنع نزول النصر منها عليه صلى اللّه عليه وسلم : وعلى هذا القول : فصيغة الأمر في قوله
فَلْيَمْدُدْ
وقوله
ثُمَّ لْيَقْطَعْ
للتعجيز
لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ
ذلك الحاسد العاجز عن قطع النصر عنه صلى اللّه عليه وسلم : هل يذهب كيده إذا بلغ غاية جهده في كيد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ما يغيظه من نصر اللّه لنبيه صلى اللّه عليه وسلم . والمعنى : أنه إن أعمل كل ما في وسعه ، من كيد النبي صلى اللّه عليه وسلم ليمنع عنه نصر اللّه ، فإنه لا يقدر على ذلك ، ولا يذهب كيده ما يغيظه من نصر اللّه لنبيه صلى اللّه عليه وسلم . ومما يشهد لهذا القول من القرآن قوله تعالى
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ ( 10 ) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ
( 11 ) [ ص : 10 - 11 ] وقد أوضحنا معنى هذه الآية في سورة الحجر . ولبعض أهل العلم قول ثالث في معنى الآية الكريمة : وهو أن الضمير في
لَنْ يَنْصُرَهُ
عائد إلى من في قوله تعالى
مَنْ كانَ يَظُنُّ
وأن النصر هنا بمعنى الرزق ، وأن المعنى : من كان يظن أن لن ينصره اللّه أي لن يرزقه ، فليختنق ، وليقتل نفسه ، إذ لا خير في حياة ليس فيها رزق اللّه وعونه ، أو فليختنق ، وليمت غيظا وغما ، فإن ذلك لا يغير شيئا مما قضاه اللّه وقدره ، والذين قالوا هذا القول قالوا : إن العرب تسمي الرزق نصرا ، وعن أبي عبيدة قال : وقف علينا سائل من بني بكر ، فقال : من ينصرني نصره اللّه ، يعني : من يعطيني أعطاه اللّه ، قالوا : ومن ذلك قول العرب : أرض منصورة : أي ممطورة ، ومنه قول رجل من بني فقعس :
وإنك لا تعطي امرأ فوق حقّه * ولا تملك الشّق الذي ألغيت ناصره
أي معطيه . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : وهذا القول الأخير ظاهر السقوط ، كما ترى ، والذين قالوا : إن الضمير في قوله
أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ
راجع إلى الدين ، أو الكتاب ، لا يخالف قولهم قول من قال : إن الضمير للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأن نصر الدين ، والكتاب هو نصره صلى اللّه عليه وسلم كما لا يخفى ، ونصر اللّه له صلى اللّه عليه وسلم في الدنيا ، بإعلائه كلمته ، وقهره أعداءه ، وإظهار دينه ، وفي الآخرة بإعلاء درجته ، والانتقام ممن كذبه ، ونحو ذلك كما قال تعالى
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ
( 51 ) [ غافر : 51 ] فإن قيل : قررتم أن الضمير في ينصره ، عائد إليه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو لم يجر له ذكر ، فكيف قررتم رجوع الضمير إلى غير مذكور . فالجواب : هو ما قاله غير واحد : من أنه صلى اللّه عليه وسلم ، وإن لم يجر له ذكر ، فالكلام دال عليه ، لأن الإيمان في قوله في الآية التي قبلها تليها
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ
[ الحج : 14 ] الآية . هو الإيمان باللّه ، وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، والانقلاب عن