تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ ( 15 )
[ 15 ] . في هذه الآية الكريمة أوجه من التفسير معروفة عند العلماء ، وبعضها يشهد لمعناه قرآن . الأول : أن المعنى : من كان من الكفرة الحسدة له صلى اللّه عليه وسلم ، يظن أن لن ينصره اللّه : أي أن لن ينصر اللّه نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم
فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ
أي بحبل إلى السماء : أي سماء بيته ، والمراد به السقف : لأن العرب تسمى كل ما علاك سماء كما قال :
وقد يسمى سماء كل مرتفع * وإنما الفضل حيث الشمس والقمر
كما أوضحناه في سورة الحجر . والمعنى : فليعقد رأس الحبل في خشبة السقف
ثُمَّ لْيَقْطَعْ
أي ليختنق بالحبل ، فيشده في عنقه ، ويتدلى مع الحبل المعلق في السقف حتى يموت ، وإنما أطلق القطع على الاختناق ، لأن الاختناق يقطع النفس بسبب حبس مجاريه ، ولذا قيل للبهر وهو تتابع النفس : قطع ، فلينظر إذا اختنق
هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ
أي هل يذهب فعله ذلك ما يغيظه من نصر اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، في الدنيا والآخرة . والمعنى : لا يذهب ذلك الذي فعله ذلك الكافر الحاسد ما يغيظه ويغضبه من نصر اللّه لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم . قال الزمخشري : وسمي فعله كيدا ، لأنه وضعه موضع الكيد ، حيث لم يقدر على غيره ، أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده ، إنما كاد به نفسه ، والمراد : ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظه ا ه منه . وحاصل هذا القول : أن اللّه يقول لحاسديه صلى اللّه عليه وسلم ، الذين يتربصون به الدوائر ، ويظنون أن ربه لن ينصره : موتوا بغيظكم ، فهو ناصره لا محالة على رغم أنوفكم ، وممن قال بهذا القول : مجاهد ، وقتادة ، وعكرمة ، وعطاء ، وأبو الجوزاء ، وغيرهم . كما نقله عنهم ابن كثير ، وهو أظهرها عندي . ومما يشهد لهذا المعنى من القرآن ، قوله تعالى :
وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ
[ آل عمران : 119 ] . الوجه الثاني : أن المعنى : من كان يظن أن لن ينصر اللّه نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم في الدنيا والآخرة ، والحال أن النصر يأتيه صلى اللّه عليه وسلم من السماء ، فليمدد بسبب إلى السماء فيرتقي بذلك السبب ، حتى يصعد إلى السماء ، فيقطع نزول الوحي من السماء ، فيمنع النصر عنه صلى اللّه عليه وسلم . والمعنى : أنه وإن غاظه نصر اللّه لنبيه . فليس له حيلة ، ولا قدرة على منع النصر ، لأنه
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 32 | الشنقيطي