لأن صيغة التفضيل في قوله : أقرب دلت على أن هناك نفعا ، وضرا ، ولكن الضر أقرب من النفع .
فالجواب : أن للعلماء أجوبة عن ذلك .
منها : ما ذكره الزمخشري : قال : فإن قلت : الضر والنفع منفيان عن الأصنام ، مثبتان لها في الآيتين ، وهذا تناقض .
قلت : إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم ؛ وذلك أن اللّه تعالى سفّه الكافر ، بأنه يعبد جمادا لا يملك ضرا ، ولا نفعا ، وهو يعتقد فيه بجهله وضلاله ، أنه يستنفع به ، حين يستشفع به ، ثم قال يوم القيامة : يقول هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ودخوله النار بعبادتها ، ولا يرى أثر الشفاعة التي ادعاها لها :
لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ
( 13 ) وكرر يدعو كأنه قال : يدعو يدعو من دون اللّه ما لا يضره ، وما لا ينفعه . ثم قال لمن ضره بكونه معبودا : أقرب من نفعه ، بكونه شفيعا : لبئس المولى ، ولبئس العشير ا ه منه .
ولا يخفى أن جواب الزمخشري هذا غير مقنع ، لأن المعبود من دون اللّه ، ليس فيه نفع البتة ، حتى يقال فيه : إن ضره أقرب من نفعه وقد بين أبو حيان عدم اتجاه جوابه المذكور .
ومنها : ما أجاب به أبو حيان في البحر .
وحاصله : أن الآية الأولى في الذين يعبدون الأصنام ، فالأصنام . لا تنفع من عبدها ، ولا تضر من كفر بها : ولذا قال فيها : ما لا يضره وما لا ينفعه : والقرينة على أن المراد بذلك الأصنام ، هي التعبير بلفظة « ما » في قوله
ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ
لأن لفظة « ما » تأتي لما لا يعقل ، والأصنام لا تعقل .
أما الآية الأخرى فهي فيمن عبد بعض الطغاة المعبودين من دون اللّه ، كفرعون القائل
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
[ القصص : 38 ] ،
لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
( 29 ) [ الشعراء : 29 ] ،
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
( 24 ) [ النازعات : 24 ] فإن فرعون ونحوه من الطغاة المعبودين قد يغدقون نعم الدنيا على عابديهم : ولذا قال القوم الذين كانوا سحرة
أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ( 41 ) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
( 42 ) [ الشعراء : 41 - 42 ] فهذا النفع الدنيوي بالنسبة إلى ما سيلاقونه ، من العذاب ، والخلود في النار كلا شيء ، فضر هذا المعبود بخلود عابده في النار ، أقرب من نفعه . بعرض قليل زائل من حطام الدنيا ، والقرينة على أن المعبود في هذه الآية الأخيرة : بعض الطغاة الذين هم من جنس العقلاء : هي التعبير بمن التي تأتي لمن يعقل في قوله
يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ
هذا هو خلاصة جواب