تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
ومن شواهد ذلك في اللغة العربية قول خفاف بن ندبة السلمي :
فإن تك خيلي قد أصيب صميمها * فعمدا على عيني تيممّت مالكا
أقول له والرّمح يأطر متنه * تأمّل خفافا إنّني أنا ذلكا
يعني أنا هذا ، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة : من أن الكافر يقال له يوم القيامة
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ
الآية لا يخفى أنه توبيخ ، وتفريع ، وإهانة له ، وأمثال ذلك القول في القرآن كثيرة : كقوله تعالى :
خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ ( 47 ) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ ( 48 ) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ( 49 ) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ
( 50 ) [ الدخان : 47 - 50 ] وقوله تعالى :
يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ( 13 ) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 14 ) أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ( 15 ) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 16 ) [ الطور : 13 - 16 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا . قوله تعالى :
يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 12 )
[ 12 ] . ضمير الفاعل في قوله
يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ
راجع إلى الكافر المشار إليه في قوله
وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ
( 11 ) أي يدعو ذلك الكافر المذكور من دون اللّه ، ما لا يضره ، إن ترك عبادته ، وكفر به ، وما لا ينفعه ، إن عبده وزعم أنه يشفع له . وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الأوثان ، لا تضر من كفر بها ، ولا تنفع من عبدها بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى :
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
( 18 ) [ يونس : 18 ] وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم
قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ( 72 ) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ( 73 ) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ
( 74 ) [ الشعراء : 72 - 74 ] . إذ المعنى : أنهم اعترفوا بأنهم لا يسمعون ، ولا ينفعون ولا يضرون ، ولكنهم عبدوهم تقليدا لآبائهم ؛ والآيات بمثل ذلك كثيرة .

تنبيه

فإن قيل : ما وجه الجمع بين نفيه تعالى النفع والضر معا ، عن ذلك المعبود من دون اللّه في قوله
ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ
مع إثباتهما في قوله :
يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ
[ 13 ] .