تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
الصّحابة ومن بعدهم ، ومنهم الأئمّة الأربعة في مسألة الطّيب . وقد علمت من النقول الّتي ذكرنا عن الأئمّة وغيرهم ، من فقهاء الأمصار ، ما اتفقوا عليه ، وما اختلفوا فيه . واعلم : أنّهم مجمعون على منع الطّيب للمحرم في الجملة ، إلّا أنّهم اختلفوا في أشياء كثيرة ، اختلافا من نوع الاختلاف في تحقيق المناط . فيقول بعضهم مثلا : الرّيحان والياسمين ، كلاهما طيب فمناط تحريمهما ، على المحرم موجود ، وهو كونهما طيبا ، فيخالفه الآخر ، ويقول : مناط التّحريم ، ليس موجودا فيهما ، لأنّهما لا يتّخذ منهما الطّيب ، فليسا بطيب وهكذا . واعلم : أنّهم متّفقون على لزوم الفدية في استعمال الطّيب ، ولا دليل من كتاب ولا سنّة ، على أنّ من استعمل الطّيب ، وهو محرم يلزمه فدية ، ولكنّهم قاسوا الطّيب على حلق الرّأس المنصوص على الفدية فيه ، إن وقع لعذر في آية
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ
[ البقرة : 196 ] . وأظهر أقوال أهل العلم : أنّ الفدية الّلازمة كفدية الأذى وهي على التّخيير المذكور في الآية ، لأنّها هي حكم الأصل المقيس عليه ، والمقرّر في الأصول أنّه لا بدّ من اتّفاق الفرع المقيس ، والأصل المقيس عليه في الحكم وذلك هو مذهب أبي حنيفة ، إن كان التّطيّب ، أو اللّبس لعذر ، لأنّ الآية نزلت في العذر ؟ وقد قدّمنا أنّه هو الصّحيح من مذهب الشّافعي مطلقا كان لعذر أو غيره ، وهو أيضا مذهب مالك وأحمد . فتحصيل : أنّ مذاهب الأئمّة الأربعة متّفقون على أنّ فدية الطّيب ، وتغطية الرّأس ، واللّبس ، وتقليم الأظافر ، كفدية حلق الرّأس المنصوصة في آية الفدية ؟ وقد قدّمنا الكلام عليها مستوفى ، وقدّمنا الأقوال المخالفة لهذا المذهب الصّحيح المشهور عند الأربعة . وقد بيّنا أنّه مقتضى الأصول ، لوجوب اتّفاق الأصل والفرع في الحكم ، واعلم عند اللّه تعالى .

تنبيهان

الأوّل : في ذكر أشياء مما ذكر وردت فيها نصوص ، وتفصيل ذلك : فمن ذلك العصفر وقد رأيت في النّقول الّتي ذكرنا كثرة من قال من أهل العلم : بأنّه ليس بطيب ، وأنّه لا بأس بلبس المحرم له ، وقد قدّمنا فيه حديث أبي داود المصرّح بأنّه لا بأس بلبس النّساء له ، وهنّ محرمات « 1 » ، وفيه ابن إسحاق ، وقد صرّح فيه بالسّماع ، فعلم أنّه لم يدلّس فيه إلى آخر ما قدّمنا فيه ، والظاهر بحسب الدّليل : أنّ المعصفر لا يجوز لبسه ، وإن جوزه كثير من أجلّاء العلماء من الصّحابة ومن بعدهم ، لأنّ السّنّة الثّابتة عن النّبي صلى اللّه عليه وسلم ، أحقّ بالاتّباع .
هامش
( 1 ) . سبق تخريجه .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 300 | الشنقيطي