تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
ونقول هنا : إن الظاهر في ذلك : أن الصواب فيه غير ما ذكروا ، وأن اللام في الجميع لام التعليل ، والمعنى واضح لا إشكال فيه كما نبه عليه الحافظ ابن كثير رحمه اللّه في مواضع من تفسيره . وإيضاح ذلك : أن اللّه هو الذي قدر على الكافر في أزله أن يجادل في اللّه بغير علم في حال كونه لاوي عنقه إعراضا عن الحق ، واستكبارا . وقد قدر عليه ذلك ليجعله ضالا مضلا ؛ وله الحكمة البالغة في ذلك ، كقوله
إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ
[ الكهف : 57 ] أي لئلا يفقهوه ؛ وكذلك
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ
[ القصص : 8 ] الآية : أي قدر اللّه عليهم أن يلتقطوه ، لأجل أن يجعله لهم عدوا وحزنا ؛ وهذا واضح لا إشكال فيه كما ترى . وما ذكره جل وعلا في هذه الآية : من إعراض بعض الكفار عن الحق واستكبارهم أوضحه في آيات أخر من كتاب اللّه ، كقوله تعالى
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها
[ لقمان : 7 ] وقوله تعالى
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
( 5 ) [ المنافقون : 5 ] وقوله تعالى
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً
( 61 ) [ النساء : 61 ] وقوله تعالى عن لقمان في وصيته لابنه
وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ
[ لقمان : 18 ] الآية أي لا تمل وجهك عنهم ، استكبارا عليهم . وقوله تعالى عن فرعون
وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 38 ) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ
[ الذاريات : 38 - 39 ] فقوله
فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ
بمعنى : ثنى عطفه ؛ وقوله تعالى
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ
[ فصلت : 51 ] الآية إلى غير ذلك من الآيات : وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة
لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
أي ذل وإهانة . وقد أذل اللّه الذين جادلوا في اللّه بغير علم ، ولا هدى ، ولا كتاب منير : كأبي جهل بن هشام ، والنضر بن الحارث بالقتل يوم بدر . ويفهم من هذه الآية الكريمة أن من ثنى عطفه استكبارا عن الحق وإعراضا عنه عامله اللّه بنقيض قصده فأذله وأهانه ؛ وذلك الذل والإهانة نقيض ما كان يؤمله من الكبر والعظمة . وهذا المفهوم من هذه الآية دلت عليه آيات أخر كقوله تعالى
إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ
[ غافر : 56 ] وقوله في إبليس لما استكبر
فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ
( 13 ) [ الأعراف : 13 ] والصغار : الذل والهوان ، عياذا باللّه من ذلك ، كما قدمنا إيضاحه . وقوله
وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ
( 9 ) أي نحرقه بالنار ، ونذيقه ألم حرها يوم القيامة : وسمى يوم القيامة : لأن الناس يقومون فيه له جل وعلا ، كما قال تعالى
أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ( 4 ) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ( 5 ) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
( 6 ) [ المطففين : 4 - 6 ] .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 27 | الشنقيطي