تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
قوله تعالى :
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ( 10 )
[ 10 ] . المعنى : أن الكافر إذا أذيق يوم القيامة عذاب الحريق ، يقال له ذلك : أي هذا العذاب الذي نذيقكه بسبب ما قدمت يداك : أي قدمته في الدنيا من الكفر والمعاصي :
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
( 10 ) فلا يظلم أحدا مثقال ذرة .
وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً
( 40 ) [ النساء : 40 ] والظاهر أن المصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
( 10 ) في محل خفض عطفا على ما المجرورة بالباء . والمعنى : هذا العذاب الذي يذيقكه اللّه حصل لك بسببين ، وهما ما قدمته يداك ، من عمل السوء من الكفر والمعاصي وعدالة من جازاك ، ذلك الجزاء الوفاق ، وعدم ظلمه . وقد أوضحنا فيما مضى إزالة الإشكال المعروف في نفي صيغة المبالغة ، في قوله
لَيْسَ بِظَلَّامٍ
فأغنى ذلك عن إعادته هنا . وفي هذه الآية الكريمة ثلاثة أسئلة : الأول : هو ما ذكرنا آنفا أنا أوضحنا الجواب عنه سابقا ، وهو : أن المعروف في علم العربية ، أن النفي إذا دخل على صيغة المبالغة ، لم يقتض نفي أصل الفعل . فلو قلت : ليس زيد بظلام للناس ، فمعناه المعروف : أنه غير مبالغ في الظلم ، ولا ينافي ذلك حصول مطلق الظلم فيه . وقد قدمنا إيضاح هذا . والسؤال الثاني : أنه أسند كل ما قدم إلى يديه في قوله
بِما قَدَّمَتْ يَداكَ
وكفره الذي هو أعظم ذنوبه ، ليس من فعل اليد ، وإنما هو من فعل القلب واللسان ، وإن كان بعض أنواع البطش باليد ، يدل على الكفر ، فهو في اللسان والقلب أظهر منه في اليد . وزناه لم يفعله بيده ، بل بفرجه ، ونحو ذلك من المعاصي التي تزاول بغير اليد . والجواب عن هذا ظاهر : وهو أن من أساليب اللغة العربية ، التي نزل بها القرآن إسناد جميع الأعمال إلى اليد ، نظرا إلى أنها الجارحة التي يزاول بها أكثر الأعمال فغلبت على غيرها ، ولا إشكال في ذلك . والسؤال الثالث : هو أن يقال : ما وجه إشارة البعد في قوله
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ
مع أن العذاب المشار إليه قريب منه حاضر ؟ . والجواب عن هذا : أن من أساليب اللغة العربية : وضع إشارة البعد موضع إشارة القرب . وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا : [ دفع إيهام الاضطراب . عن آيات الكتاب ] في الكلام على قوله تعالى في أول سورة البقرة :
ألم ( 1 ) ذلِكَ الْكِتابُ
[ 1 - 2 ] الآية : أي هذا الكتاب .