غمد السيف ، فدلّ ذلك على جواز دخول المحرم متقلّدا سيفه للخوف من العدوّ .
وقال البخاري في صحيحه في باب عمرة القضاء : حدثني عبيد اللّه بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق عن البراء رضي اللّه عنه قال « لمّا اعتمر النّبي صلى اللّه عليه وسلم في ذي القعدة ، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكّة ، حتّى قضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيّام » الحديث بطوله ، وفيه « فكتب هذا ما قاضى محمّد بن عبد اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يدخل مكّة السّلاح إلّا السّيف في القراب » « 1 » الحديث . وفي لفظ للبخاري في كتاب الصّلح « لا يدخل مكّة سلاح إلا في القراب » « 2 » وفي لفظ له في كتاب الصلح أيضا « ولا يدخلها إلا بجلبّان السّلاح » فسألوه ما جلبّان السّلاح ؟ فقال : « القراب بما فيه » « 3 » والجلبّان بضم الجيم والّلام وتشديد الباء الموحّدة بعدها ألف ، ثم نون : هو قراب السّيف ويطلق على أوعية السّلاح ، ويروى بتسكين الّلام ، وتخفيف الباء ، وهو شبه الجراب من الأدم يوضع فيه السّيف مغمودا .
وقال صاحب اللّسان : والقراب غمد السّيف والسّكّين ، ونحوهما وجمعه قرب أي بضمّتين ، وفي صحاح الجوهري : قراب السّيف : جفنه وهو وعاء يكون فيه السّيف بغمده ، وحمالته ا ه والقراب ككتاب ومن جمعه على قرب بضمّتين قوله :
يا ربّة البيت قومي غير صاغرة * ضمّي إليك رحال القوم والقربا
يعني : ضمّي إليك رحالهم وسلاحهم ، في أوعيته .
وبهذه الأحاديث : استدلّ بعض أهل العلم على أنّ الصّحابة دخلوا مكّة محرمين عام سبع وهم متقلّدو سيوفهم في أغمادها ، وأنّ ذلك لعلّة خوفهم من المشركين ، لأنّ الكفّار لا يوثق بعهودهم .
وقد علمت أنّ بعض أهل العلم قال : إنّ ذلك لا يجوز إلّا لضرورة ، واللّه تعالى أعلم .
وللمخالف أن يقول : إنّ الأحاديث المذكورة ليس فيها التّصريح بأنّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه تقلّدوها . ويمكن أن يكونوا حملوا السّلاح معهم في رحالهم في أوعيته من غير أن يتقلّدوه ، وعلى هذا الاحتمال ، فلا حجّة في الأحاديث على تقلّد المحرم حمائل السّيف ، والعلم عند اللّه تعالى .
الفرع الخامس عشر : [ بيان ما يلزم مسألة ما يمتنع على المحرم بسبب إحرامه أنّه يمنع من الطّيب ]
قد بيّنّا في هذه المسألة الّتي هي مسألة ما يمتنع على المحرم بسبب إحرامه أنّه يمنع من الطّيب ، وسنذكر إن شاء اللّه في هذا الفرع ما يلزم في ذلك .
هامش
( 1 ) . أخرجه البخاري في المغازي حديث 4251 .
( 2 ) . أخرجه البخاري في الصلح حديث 2699 .
( 3 ) . أخرجه البخاري في الصلح حديث 2698 .