اعلم : أنّ الأئمّة الثّلاثة : مالكا ، والشّافعيّ ، وأحمد : لا فرق عندهم ، بين أن يطيّب جسده كلّه أو عضوا منه ، أو أقلّ من عضو ، فكلّ ذلك عندهم إن فعله قصدا يأثم به ، وتلزمه الفدية .
وقال أبو حنيفة : لا تجب عليه الفدية إلّا إذا طيّب عضوا كاملا ، مثل الرّأس ، والفخذ ، والسّاق : فإن طيبّ أقل من عضو فعليه الصّدقة ، وهي عندهم نصف صاع من برّ أو صاع من غيره ، كتمر وشعير . وقد قدّمنا مرارا أنّ مذهب أبي حنيفة : أنّه إن فعل المحظور ، كالّلباس ، والتّطيّب ، لا لعذر ، فعليه دم ، وتجزئه شاة وإن فعله لعذر فعليه فدية الأذى المذكورة في آية الفدية ، على التّخيير ، وإن كان المحرم طيبا كثيرا : لزمه الدّم عند أبي حنيفة ، وقال صاحباه محمد وأبو يوسف : تجب في ذلك الصّدقة ، وعن محمد : أنّه إن طيّب أقلّ من عضو لزمه بحسبه من الدّم فإن طيّب ثلث العضو ، فعليه ثلث دم مثلا ، وهكذا ، وعن بعض الحنفيّة : أنّه إن طيّب ربع عضو : لزمه الدّم كاملا كحلق ربع الرّأس ، فهو عندهم كحلق جميعه وهذا خلاف المشهور في تطيّب بعض العضو عندهم . وظاهر كلامهم أنّه لو جعل طيبا كثيرا على بعض عضو ، فليس عليه إلّا الصّدقة . وصحّح بعض الحنفيّة : أنّه إن كان الطّيب قليلا فالعبرة بالعضو ، وإن كان كثيرا فالعبرة بالطّيب ، وله وجه من النّظر ، وعن بعض الحنفيّة أن من مسّ طيبا بأصبعه ، فأصابها كلّها فعليه دم . وعن أبي يوسف : إن طيّب شاربه كلّه أو يقدره من لحيته ، أو رأسه فعليه دم ، وعن بعض الحنفيّة :
أنّه إن اكتحل بكحل مطيّب ، فعليه صدقة ، ومثله الأنف ، فإن فعل ذلك مرارا كثيرة فعليه دم ، وفي مناسك الكرماني : لو طيّب جميع أعضائه فعليه دم واحد ، لاتّحاد الجنس ، ولو كان الطّيب في أعضاء متفرّقة يجمع ذلك كلّه ، فإن بلغ عضوا : فعليه دم ، وإلّا فصدقة ، ولو شمّ طيبا فليس عليه شيء ، وإن دخل بيتا مجمرا ، فليس عليه شيء ، وإن أجمر ثوبه ، فإن تعلّق به كثيرا ، فعليه دم ، وإلا فصدقة ا ه من تبيين الحقائق .
وقال بعض الحنفّية : إن طيّب أعضاءه كلّها في مجلس واحد فعليه دم واحد كما تقدّم ، وإن كان ذلك في مجلسين مختلفين ، فعليه لكلّ واحد دم في قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، سواء ذبح للأوّل أو لم يذبح . وقال محمّد : إن ذبح للأوّل ، فكذلك ، وإن لم يذبح فعليه دم واحد ، والاختلاف فيه كاختلاف في الجماع ا ه .
وأظهرها عندي قول محمّد : والحنّاء عندهم طيب ، فلو خضب رأسه بالحنّاء ، لزمه الدّم . واستدلّوا بحديث الحنّاء طيب . قالوا رواه البيهقي . وسيأتي ما يدلّ على أنّ البيهقي رواه في المعرفة ، وفي إسناده ابن لهيعة ، وهو ضعيف . وقد روى البيهقي عن عائشة مرفوعا ، ما يدل على أنّ الحنّاء ليس بطيب « 1 » ، والعلم عند اللّه تعالى : هذا حاصل مذهب
هامش
( 1 ) . أخرجه عن كريمة بنت همام الطائية البيهقي في السنن الكبرى ، كتاب الحج 5 / 61 ، 62 .