تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
أبي حنيفة وأصحابه في الطّيب للمحرم . وأمّا مذهب مالك في الطّيب للمحرم فحاصله : أنّ الطّيب عندهم نوعان : مذكّر ومؤنّث ، أمّا المذكّر فهو ما يظهر ريحه ، ويخفى أثره : كالرّيحان ، والياسمين ، والورد ، والبنفسج ونحو ذلك . وأمّا المؤنّث : فهو ما يظهر ريحه ، ويبقى أثره : كالمسك والورس والزّعفران والكافور والعنبر والعود ونحو ذلك . فأمّا المذكّر فيكره شمّه والتّطيّب به ، ولا فدية في مسّه ، والتّطيّب به ولو غسل يديه بماء الورد ، فلا فدية عليه عندهم في ذلك ، لأنّه من الطّيب المذكّر ، خلافا لابن فرحون في مناسكه حيث قال : إنّ ماء الورد فيه الفدية لأنّ أثره يبقى ، وممّن قال : بأنّ الطّيب المذكّر لا فدية في استعماله : عثمان بن عفّان ، والحسن ، ومجاهد ، وإسحاق . وأمّا ما ينبت في الأرض من النّبات الطّيّب الرّيح ولا يقصد التّطيّب به ، كالشّيح ، والقيصوم ، والزّنجبيل ، والإذخر ، فلا فدية فيه عندهم ، فهو كريح الفواكه الطّيّبة كالتّفاح واللّيمون ، والأترجّ وسائر الفواكه وبعض أهل العلم يكره شمّه للمحرم ، وإن خضب رأسه أو لحيته بحنّاء ، أو خضبت المرأة رأسها أو رجليها ، أو طرفت أصابعها بحنّاء فالفدية عندهم واجبة في ذلك . وأما مؤنّث الطّيب : كالمسك ، والورس ، والزّعفران ، فإنّ التّطيّب به عندهم حرام ، وفيه الفدية . ومعنى التّطيّب بالطّيب عندهم : إلصاقه بالثّوب ، أو باليد وغيرها من الأعضاء ، ونحو ذلك ، فإن علق به ريح الطّيب دون عينه بجلوسه في حانوت عطّار ، أو في بيت تجمّر ساكنوه ، فلا فدية عليه عندهم مع كراهة تماديه في حانوت العطّار أو البيت الّذي تجمر ساكنوه ، هذا هو مشهور مذهب مالك . وإن مسّ الطّيب المؤنّث افتدى عندهم ، وحدّ ريحه أوّلا ، لصق به أوّلا ، ويكره شمّ الطّيب عندهم مطلقا . وأظهر أقوال علماء المالكيّة في الثّوب المصبوغ بالورس ، والزّعفران : إذا تقادم عهده ، وطال زمنه حتّى ذهبت ريحه بالكلّيّة : أنّه مكروه للمحرم ، ما دام لون الصّبغ باقيا ولكنّه لا فدية فيه لانقطاع ريحه بالكلّيّة . وأقيس الأقوال : أنّه يجوز مطلقا ، لأنّ الرّائحة الطّيّبة الّتي منع من أجلها زالت بالكلّيّة ، والعلم عند اللّه تعالى . وإن اكتحل عندهم بما فيه طيب ، فالفدية ، ولو لضرورة مع الجواز للضّرورة وبما لا طيب فيه فهو جائز للضّرورة ولغيرها ، فثلاثة أقوال مشهورها : وجوب الفدية على الرّجل ، والمرأة معا ، وقيل : لا تجب عليهما ، وقيل : تجب على المرأة دون الرّجل . وحاصل مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة : أنّ النّبات الّذي تستطاب رائحته على ثلاثة أضرب : أحدها : ما لا ينبت للطّيب ولا يتّخذ منه ، كنبات الصّحراء من الشّيخ ، والقيصوم ،