فإن هذا النوع لاحظ للنفس فيه ، ولا للعقل ، ولا يحمل عليه إلا مجرد امتثال الأمر ، وكمال الانقياد فهذه إشارة مختصرة تعرف بها الحكمة في جميع العبادات واللّه أعلم انتهى كلام النووي .
قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : ما ذكره الشيخ النووي رحمه اللّه : من أن حكمة السعي والرمي غير معقولة المعنى ، غير صحيح فيما يظهر لي واللّه تعالى أعلم بل حكمة الرمي والسعي معقولة ، وقد دل بعض النصوص ، على أنها معقولة ، أما حكمة السعي : فقد جاء النص الصحيح ببيانها ، وذلك هو ما رواه البخاري في صحيحه ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قصة ترك إبراهيم هاجر وإسماعيل في مكة ، وأنه وضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ، وفي الحديث الصحيح المذكور « وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل ، وتشرب من ذلك الماء ، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال : يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي ، تنظر هل ترى أحدا ، فلم تر أحدا ، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ، ثم سعت سعي الإنسان المجهود ، حتى جاوزت الوادي ، ثم أتت المروة فقامت عليها ، ونظرت هل ترى أحدا ، فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات » قال ابن عباس : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « فذلك سعى الناس بينهما » « 1 » الحديث .
وهذا الطرف الذي ذكرنا من هذا الحديث سقناه بلفظ البخاري رحمه اللّه في صحيحه ، وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذا الحديث « فذلك سعى الناس بينهما » فيه الإشارة الكافية إلى حكمة السعي بين الصفا والمروة ، لأن هاجر سعت بينهما السعي المذكور ، وهي في أشد حاجة ، وأعظم فاقة إلى ربها ، لأن ثمرة كبدها ، وهو ولدها إسماعيل تنظره يتلوى من العطش في بلد لا ماء فيه ، ولا أنيس ، وهي أيضا في جوع وعطش في غاية الاضطرار إلى خالقها جل وعلا ، وهي من شدة الكرب تصعد على هذا الجبل فإذا لم تر شيئا جرت إلى الثاني فصعدت عليه لترى أحدا فأمر الناس بالسعي بين الصفا والمروة ، ليشعروا بأن حاجتهم ، وفقرهم إلى خالقهم ورازقهم كحاجة وفقر تلك المرأة في ذلك الوقت الضيق والكرب العظيم ، إلى خالقها ورازقها وليتذكروا أن من كان يطيع اللّه كإبراهيم عليه ، وعلى نبينا الصلاة والسلام ، لا يضيعه ، ولا يخيب دعاءه وهذه حكمة بالغة ظاهرة دل عليها حديث صحيح وقد قدمنا في حديث البيهقي المذكور حكمة الرمي أيضا فتبين بذلك أن حكمة السعي والرمي معروفة ظاهرة خلافا لما ذكره النووي . والعلم عند اللّه تعالى .
المسألة الحادية عشرة في مواقيت الحج والعمرة
اعلم أن الحج له ميقات زماني : وهو المذكور في قوله تعالى
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ
هامش
( 1 ) . أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث 3364 .