وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على ميقات ذات عرق : واختلف العلماء ، هل صارت ميقاتهم بتوقيت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أم باجتهاد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ؟ وفي المسألة وجهان لأصحاب الشافعي أصحهما ، وهو نص الشافعي رضي اللّه عنه في الأم : بتوقيت عمر رضي اللّه عنه . انتهى محل الغرض منه . وقال النووي في شرح المهذب ، وممن قال إنه مجتهد فيه من السلف ، طاوس ، وابن سيرين ، وأبو الشعثاء جابر بن زيد وحكاه البيهقي وغيره عنهم ، وممن قال من السلف إنه منصوص عليه : عطاء بن أبي رباح وغيره ، وحكاه ابن الصباغ ، عن أحمد ، وأصحاب أبي حنيفة ، وإذا عرفت اختلاف أهل العلم فيمن وقت ذات عرق لأهل العراق ، فهذه تفاصيل أدلتهم .
أما الذين قالوا : إنه باجتهاد من عمر فاستدلوا بما رواه البخاري في صحيحه :
حدثني علي بن مسلم ، حدثنا عبد اللّه بن نمير ، حدثنا عبيد اللّه ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا : يا أمير المؤمنين إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حدّ لأهل نجد : قرنا ، وهو جور عن طريقنا ، وإنا إن أردنا قرنا شق علينا .
قال : فانظروا حذوها من طريقكم ، فحدّ لهم ذات عرق « 1 » ا ه منه . قالوا : فهذا الحديث الصحيح صريح في أن توقيت ذات عرق باجتهاد من عمر ، وقد جاءت بذلك أيضا آثار عن بعض السلف .
وأما الذين قالوا : إنه بتوقيت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فاستدلوا بأحاديث منها : ما رواه مسلم في صحيحه ، وحدثني محمد بن حاتم ، وعبد بن حميد ، كلاهما عن محمد بن بكر ، قال عبد :
أخبرنا محمد ، أخبرنا ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير : أنه سمع جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما ، يسأل عن المهلّ ؟ فقال : سمعت أحسبه رفع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : مهلّ أهل المدينة ، من ذي الحليفة والطريق الآخر الجحفة ، ومهلّ أهل العراق : من ذات عرق ، ومهلّ أهل نجد : من قرن . ومهلّ أهل اليمن : من يلملم « 2 » . انتهى منه . وهذا الإسناد صحيح كما ترى إلا أنه ليس فيه الجزم برفع الحديث إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث : فهذا إسناد صحيح ، لكنه لم يجزم برفعه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم : فلا يثبت رفعه بمجرد هذا ، ورواه ابن ماجة « 3 » من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي بضم الخاء المعجمة بإسناده عن جابر مرفوعا بغير شك ، لكن الخوزي ضعيف ، لا يحتج بروايته ورواه الإمام أحمد في مسنده « 4 » ، عن جابر ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، بلا شك أيضا ، لكنه من رواية الحجاج بن أرطاة ، وهو
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الحج حديث 1531 .
( 2 ) أخرجه مسلم في الحج حديث 18 .
( 3 ) كتاب المناسك حديث 2915 .
( 4 ) المسند 3 / 333 .