تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
هذا الحديث من رواية عبيد اللّه هذا ، وقال هو حديث حسن ، وفي بعض النسخ : حسن صحيح « 1 » ، فلعله اعتضد برواية أخرى . انتهى محل الغرض منه . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : عبيد اللّه بن أبي زياد المذكور ، هو القداح أبو الحصين المكي ، وقد وثقه جماعة ، وضعفه آخرون ، وحديثه هذا معناه صحيح بلا شك ويشهد لصحة معناه قوله تعالى
* وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ
[ البقرة : 203 ] لأنه يدخل في الذكر المأمور به : رمي الجمار بدليل قوله بعده
فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
[ البقرة : 203 ] الآية ، وذلك يدل على أن الرمي شرع لإقامة ذكر اللّه ، كما هو واضح ، ولكن هذه الحكمة إجمالية ، وقد روى البيهقي رحمه اللّه في سننه عن ابن عباس مرفوعا قال : لما أتى إبراهيم خليل اللّه عليه السلام المناسك ، عرض له الشيطان عند جمرة العقبة ، فرماه بسبع حصيات ، حتى ساخ في الأرض ، ثم عرض له عند الجمرة الثانية ، فرماه بسبع حصيات ، حتى ساخ في الأرض ، ثم عرض له في الجمرة الثالثة ، فرماه بسبع حصيات ، حتى ساخ في الأرض . قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : الشيطان ترجمون وملة أبيكم تتبعون « 2 » . انتهى بلفظه من السنن الكبرى للبيهقي ، وقد روى هذا الحديث الحاكم في المستدرك مرفوعا ثم قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه « 3 » ، وعلى هذا الذي ذكره البيهقي ، فذكر اللّه الذي يشرع الرمي لإقامته ، هو الاقتداء بإبراهيم في عداوة الشيطان ، ورميه ، وعدم الانقياد إليه ، واللّه يقول
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ
[ الممتحنة : 4 ] الآية ، فكأن الرمي رمز وإشارة إلى عداوة الشيطان التي أمرنا اللّه بها في قوله
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
[ فاطر : 6 ] وقوله منكرا على من والاه
أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ
[ الكهف : 50 ] الآية ، ومعلوم أن الرجم بالحجارة من أكبر مظاهر العداوة . وقال النووي في شرح المهذب : فرع في الحكمة في الرمي ، قال العلماء : أصل العبادة الطاعة ، وكل عبادة فلها معنى قطعا ، لأن الشرع لا يأمر بالعبث ، ثم معنى العبادة قد يفهمه المكلف ، وقد لا يفهمه ، فالحكمة في الصلاة : التواضع ، والخضوع ، وإظهار الافتقار إلى اللّه تعالى ، والحكمة في الصوم . كسر النفس وقمع الشهوات ، والحكمة في الزكاة : مواساة المحتاج ، وفي الحج : إقبال العبد أشعث أغبر من مسافة بعيدة إلى بيت فضله اللّه كإقبال العبد إلى مولاه ذليلا . ومن العبادات التي لا يفهم معناها : السعي والرمي ، فكلف العبد بهما ليتم انقياده ،
هامش
( 1 ) . أخرجه الترمذي في الحج حديث 902 . ( 2 ) . السنن الكبرى ، كتاب الحج 5 / 153 . ( 3 ) . المستدرك ، كتاب المناسك 1 / 466 .