وهو بمنى لزم المقام بمنى ، حتى يرمي الجمار الثلاث بعد الزوال في اليوم الثالث ، ولا ينفر ليلا . وممن قال بهذا : الأئمة الثلاثة : مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وهو قول أكثر أهل العلم . وقال ابن قدامة في المغني : وهو قول عمر ، وجابر بن زيد ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، وأبان بن عثمان ، ومالك ، والثوري ، والشافعي ، وإسحاق ، وابن المنذر . وقال ابن المنذر : ثبت عن عمر أنه قال : « من أدركه المساء في اليوم الثاني ، فليقم إلى الغد ، حتى ينفر مع الناس » . وخالف أبو حنيفة الجمهور في هذه المسألة فقال : له أن ينفر ليلة الثالث عشر من الشهر حتى يطلع الفجر من اليوم الثالث ، فإن طلع الفجر لزمه البقاء ، حتى يرمي .
والأظهر عندي : حجة الجمهور ؛ لأن اللّه تعالى قال
فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ
[ البقرة :
203 ] ولم يقل في يومين وليلة .
ووجه قول أبي حنيفة : هو أن من نفر بالليل فقد نفر في وقت ، لا يجب فيه الرمي ، بل لا يجوز فجاز له النفر كالنهار . وقد قدمنا أيضا عن الحنيفة أنهم يرون الليلة التي بعد اليوم من أيام التشريق تابعة له ، فيجوز فيها ما يجوز في اليوم الذي قبلها كالرمي فيها والنفر فيها إن كان يجوز في يومها .
والأظهر عندي : أنه لو ارتحل من منى فغربت عليه الشمس ، وهو سائر في منى لم يخرج منها أنه يلزمه المبيت والرمي ، لأنه يصدق عليه أنه غربت عليه الشمس في منى ، فلم يتعجل منها في يومين خلافا للمشهور من مذهب الشافعي القائل : بأن له أن يستمر في نفره ولا يلزمه المبيت والرمي .
والأظهر عندي أيضا : أنه لو غربت عليه الشمس ، وهو في شغل الارتحال أنه يبيت ، ويرمي خلافا لمن قال : يجوز له الخروج منها بعد الغروب لأنها غربت ، وهو مشتغل بالرحيل ، وهما وجهان مشهوران عند الشافعية والعلم عند اللّه تعالى .
واعلم : أن التحقيق أن التعجل جائز ، لأهل مكة فهم فيه كغيرهم ، خلافا إن فرق بين المكي وغيره ، إلا لعذر لأن اللّه قال
فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
[ البقرة : 203 ] وهو عموم شامل لأهل مكة وغيرهم ، ولا شك أنّ التأخر أفضل من التعجل لأن فيه زيادة عمل ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم في حجة الوداع لم يتعجل .
الفرع العاشر : اعلم أن العلماء اختلفوا في المبيت في منى ، ليالي أيام التشريق هل هو واجب أو مستحب ، مع إجماعهم على أنه مشروع ؟
فذهب مالك ، وأصحابه : إلى أنه واجب ، ولو بات ليلة واحدة منها أو جل ليلة ، وهو خارج عن منى ؛ لزمه دم لأثر ابن عباس السابق . وروى مالك في الموطأ ، عن نافع أنه قال : زعموا أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : كان يبعث رجالا يدخلون الناس من وراء العقبة . وروى مالك في الموطأ أيضا ، عن