واعلم أن ما رواه البخاري ، ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال : ما رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، صلى صلاة إلا بميقاتها إلا صلاتين : صلاة المغرب والعشاء بجمع ، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها « 1 » . ليس المراد به أنه صلى الصبح قبل طلوع الفجر ، لأن ذلك ممنوع إجماعا ، ولكن مراده به أنه صلاها قبل ميقاتها المعتاد الذي كان يصليها فيه ، ولكن بعد تحقق طلوع الفجر .
ومما يدل على هذا ما رواه البخاري في صحيحه عن عبد اللّه بن مسعود نفسه رضي اللّه عنه حدثنا عمرو بن خالد ، حدثنا زهير ، حدثنا أبو إسحاق قال : سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول : حج عبد اللّه رضي اللّه عنه ، فأتينا المزدلفة . الحديث وفيه : فلما طلع الفجر قال : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم .
قال عبد اللّه : هما صلاتان يحوّلان عن وقتهما ، صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة ، والفجر حين يبزغ الفجر ، قال رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم يفعله انتهى من صحيح البخاري « 2 » .
فقول ابن مسعود في هذا الحديث الصحيح : فلما طلع الفجر وقوله : والفجر حين يبزغ الفجر واتباعه ذلك بقوله رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم يفعله ، صريح فيما ذكرنا من أن مراده بقوله :
قبل ميقاتها يعني به : وقتها الذي يصليها فيه عادة ، وليس مراده أنه صلاها قبل طلوع الفجر كما ترى .
الفرع الثالث : اعلم أن العلماء اختلفوا في القدر الذي يكفي في النزول بالمزدلفة ،
فذهب مالك ، وأصحابه ، إلى أن النزول بمزدلفة بقدر ما يصلي المغرب والعشاء ، ويتعشى يكفيه في نزول مزدلفة ولو أفاض منها قبل نصف الليل ، وبعضهم يقول : لا بد في ذلك من حط الرحال ، وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه إن دفع منها بعد نصف الليل أجزأه ، وإن دفع منها قبل نصف الليل لزمه دم . وذهب أبو حنيفة إلى أنه دفع منها قبل الفجر لزمه دم ، لأن وقت الوقوف عنده بعد الصلاة الصبح ، ومن حضر المزدلفة في ذلك الوقت فقد أتى بالوقوف ، ومن تركه ودفع ليلا فعليه دم إلا إن كان لعذر .
قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : الأظهر عندي في هذه المسألة : هو أنه ينبغي أن يبيت إلى الصبح ، لأنه لا دليل مقنعا يجب الرجوع إليه مع ، من حدد بالنصف الأخير ، ولا مع من اكتفى بالنزول ، وقياسهم الأقوياء على الضعفاء قائلين : إنه لو كان الدفع بعد النصف ممنوعا ، لما رخص فيه صلى اللّه عليه وسلم لضعفة أهله ، لأنه لا يرخص لأحد في حرام ، قياس مع وجود الفارق ، ولا يخفى ما في قياس القوي على الضعيف الذي رخص له لأجل ضعفه كما ترى ،
هامش
( 1 ) . أخرجه : البخاري في الحج حديث 1682 ، ومسلم في الحج حديث 292 .
( 2 ) . كتاب الحج حديث 1675 .