عباس : من ترك نسكا فعليه دم ، كما سيأتي إيضاحه إن شاء اللّه تعالى .
وأما حجة من قال : إنه ركن فهي من كتاب وسنة .
أما الكتاب ، فقوله تعالى :
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
[ البقرة : 198 ] قالوا : فهذا الأمر القرآني الصريح ، يدل على أنه لا بد من ذكر اللّه عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفة .
وأما السنة ، فمنها حديث عروة بن مضرس ، الذي سقناه سابقا ، فإن فيه « من أدرك معنا هذه الصلاة ، وكان قد أتى عرفات ، قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه » قالوا : فقوله صلى اللّه عليه وسلم في حديث ابن مضرس هذا « من أدرك معنا هذه الصلاة » الحديث . يفهم منه أن من لم يدركها معهم لم يتم حجه ، ولم يقض تفثه ، والمراد بها صلاة الصبح بمزدلفة كما هو واضح ، قالوا : وفي رواية عند النسائي ، عن عروة بن مضرس : من أدرك جمعا مع الإمام ، والناس حتى يفيضوا منها ، فقد أدرك الحج ، ومن لم يدرك مع الناس الإمام فلم يدرك « 1 » ، قالوا : ولأبي يعلى ومن لم يدرك جمعا ، فلا حج له . وأجاب الجمهور القائلون :
بأن المبيت بمزدلفة ، ليس بركن ، عن أدلة هؤلاء القائلين : إنه ركن لا يتم الحج إلا به .
قالوا : أما الآية التي استدلوا بها على وجوب الوقوف بمزدلفة التي هي قوله تعالى :
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
[ البقرة : 198 ] الآية ، فإنها لم تتعرض للوقوف بمزدلفة أصلا ، وإنما أمر فيها بذكر اللّه عند المشعر الحرام .
قالوا : وقد أجمعوا كلهم على أن من وقف بمزدلفة ، ولم يذكر اللّه أن حجه تام ، فإذا كان الذكر المذكور في الكتاب ليس من صلب الحج بإجماعهم فالموطن الذي يكون الذكر فيه أحرى أن لا يكون فرضا ، وأجابوا عن استدلالهم بمفهوم الشرط في حديث عروة بن مضرس المذكور « من أدرك معنا هذه الصلاة » الحديث . بأنهم أجمعوا كلهم ، على أنه لو بات بمزدلفة ووقت قبل ذلك بعرفة ، ونام عن صلاة الصبح ، فلم يصلها مع الإمام ، حتى فاتته أنه حجه تام ، وقد قدمنا دلالة حديث عبد الرحمن بن يعمر على ذلك .
وأجابوا عن رواية النسائي التي أشرنا إليها التي قال فيها : أخبرنا محمد بن قدامة ، قال : حدثني جرير ، عن مطّرف ، عن الشعبي ، عن عروة بن مضرس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « من أدرك جمعا مع الإمام والناس حتى يفيض منها فقد أدرك ، ومن لم يدرك مع الناس والإمام فلم يدرك » ا ه بأن هذه الزيادة في هذه الرواية ، لم تثبت .
قال ابن حجر في فتح الباري في بيان تضعيف الزيادة المذكورة : وقد صنّف أبو جعفر العقيلي جزءا في إنكار هذه الزيادة ، وبين أنها من رواية مطرق عن الشعبي ، عن عروة ، وأن
هامش
( 1 ) . أخرجه النسائي في مناسك الحج ، باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة .