تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
وفي كلام الوحي والمنطوق هل * ما ليس بالصريح فيه قد دخل
وهو دلالة اقتضاء أن يدل * لفظ ما دونه لا يستقل
دلالة اللزوم مثل ذات * إشارة كذلك الايما آتي . إلخ
وقصدنا هنا إيضاح دلالة الإشارة دون غيرها ، وضابط دلالة الإشارة هي : أن يساق النص لمعنى مقصود : فيلزم ذلك المعنى المقصود أمر آخر غير مقصود باللفظ لزوما لا ينفك ، كما أشار له في المراقي بقوله :
فأول إشارة اللفظ لما * لم يكن القصد له قد علما
فإذا علمت ذلك ، فاعلم أنه صلى اللّه عليه وسلم ، لم يذكر حديث عبد الرحمن بن يعمر المذكور لقصد بيان حكم المبيت بمزدلفة ، ولكنه ذكره قاصدا بيان أن من أدرك الوقوف بعرفة في آخر جزء من ليلة النحر أن حجه تام ، وهذا المعنى المقصود يلزمه حكم آخر غير مقصود باللفظ وهو عدم ركنية المبيت بمزدلفة ، لأنه إذا لم يدرك عرفة إلا في الجزء الأخير من الليل ، فقد فاته المبيت بمزدلفة قطعا ، ومع ذلك فقد صرح صلى اللّه عليه وسلم بأن حجه تام . ومن أمثلة دلالة الإشارة في القرآن قوله تعالى :
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ
[ البقرة : 187 ] فإنه يدل بدلالة الإشارة المذكورة ، على صحة صوم من أصبح جنبا ، لأن الآية الكريمة سيقت لبيان جواز الجماع في ليلة الصيام ، وذلك صادق بآخر جزء منها ، بحيث لا يبقى بعده من الليل ، قدر ما يسع الاغتسال ، فيلزم من جواز الجماع في آخر جزء من الليل ، الذي دلت عليه الآية أنه لا بد أن يصبح جنبا ، ولفظ الآية : لم يقصد به صحة صوم من أصبح جنبا ، ولكن المعنى الذي قصد به يلزمه ذلك كما بينا . ومن أمثلتها أيضا في القرآن قوله تعالى
وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
[ الأحقاف : 15 ] مع قوله :
وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ
[ لقمان : 14 ] فإن الآيتين لم يقصد بلفظهما بيان قدر أقل أمد الحمل ، ولكن المعنى الذي قصد بهما يلزمه أن أقل أمد الحمل ستة أشهر ، لأنه جمع الحمل والفصال في ثلاثين شهرا ، ثم بين أن الفصال في عامين ، فيطرح من الثلاثين شهرا أربعة وعشرون التي هي عاما الفصال ، فيبقى ستة أشهر ، فدلت الآيتان دلالة الإشارة على أن أقل أمد الحمل ستة أشهر ، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم كما أوضحناه في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى :
اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ
( 8 ) [ الرعد : 8 ] . ومراد الأصوليين أن المدلول عليه بالإشارة لم يقصد باللفظ ، أن اللفظ لا يتناوله بحسب الوضع اللغوي ، مع علمهم بأن علم اللّه محيط بكل شيء ، سواء دل عليه اللفظ المذكور بمنطوقه أو لم يدل عليه ، وحجتهم في أنه واجب يجبر بدم أنه نسك ، وفي أثر ابن