وقلت له : لا جناح عليك في ذلك ، لم يلزم من ذلك أنك تقول : بأنها غير واجبة ، وإنما قلت : لا جناح في ذلك ، ليطابق جوابك السؤال ، وقد دلت قرينتان على أنه ليس المراد رفع الجناح ، عمن لم يسع بين الصفا والمروة .
الأول منهما : أن اللّه قال في أول الآية
* إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
[ البقرة :
158 ] وكونهما من شعائر اللّه ، لا يناسبه تخفيف أمرهما برفع الجناح عمن لم يطف بينهما ، بل المناسب لذلك تعظيم أمرهما ، وعدم التهاون بهما ، كما أوضحناه في أول هذا المبحث .
والقرينة الثانية : هي أنه لو أراد ذلك المعنى لقال : فلا جناح عليه ألا يطوف بهما ، كما قالت عائشة لعروة ، وقد تقرر في الأصول : أن اللفظ الوارد جوابا لسؤال لا مفهوم مخالفة له ، لأن المقصود به مطابقة الجواب للسؤال ، لا إخراج المفهوم عن حكم المنطوق ، وقد أوضحنا هذا في سورة البقرة في الكلام على آية الطلاق ، وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله عاطفا على ما يمنع اعتبار دليل الخطاب ، أعني مفهوم المخالفة :
أو جهل الحكم أو النطق انجلب * للسؤل أو جرى على الذي غلب
ومحل الشاهد منه قوله : أو النطق انجلب * للسؤل .
ومعنى ذلك : أن المنطوق إذا كان جوابا لسؤال فلا مفهوم مخالفة له ، لأن المقصود بلفظ المنطوق مطابقة الجواب للسؤال ، لا إخراج المفهوم عن حكم المنطوق .
فإن قيل : جاء في بعض قراءات الصحابة
فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما
كما ذكره الطبري ، وابن المنذر وغيرهما ، عن أبي بن كعب ، وابن مسعود ، وابن عباس رضي اللّه عنهم .
فالجواب من وجهين :
الأول : أن هذه القراءة لم تثبت قرآنا لإجماع الصحابة على عدم كتبها في المصاحف العثمانية ، وما ذكره الصحابي على أنه قرآن ، ولم يثبت كونه قرآنا . ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يستدل به على شيء ، وهو مذهب مالك ، والشافعي ، ووجهه أنه لما لم يذكره إلا لكونه قرآنا ، فبطل كونه قرآنا بطل من أصله ، فلا يحتج به على شيء ، وقال بعض أهل العلم : إذا بطل كونه قرآنا لم يمنع ذلك من الاحتجاج به كأخبار الآحاد ، التي ليست بقرآن ، فعلى القول الأول : فلا إشكال ، وعلى الثاني : فيجاب عنه بأن القراءة المذكورة تخالف القراءة المجمع عليها المتواترة ، وما خالف المتواتر المجمع عليه إن لم يمكن الجمع بينهما فهو باطل ، والنفي والإثبات لا يمكن الجمع بينهما لأنهما نقيضان .
الوجه الثاني : هو ما ذكره ابن حجر في الفتح عن الطبري والطحاوي ، من أن قراءة :
أن لا يطوف بهما ، محمولة على القراءة المشهورة ، ولا زائدة . انتهى . ولا يخلو من تكلف