طارق بن شهاب ، عن أبي موسى قال : قدمت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو منيخ بالبطحاء ، فقال لي « أحججت ؟ فقلت : نعم . فقال : بم أهللت ؟ قال : قلت : لبيك بإهلال كإهلال النبي صلى اللّه عليه وسلم . قال : فقد أحسنت . طف بالبيت وبالصفا والمروة « 1 » . الحديث قالوا : فقوله صلى اللّه عليه وسلم لأبي موسى الأشعري « طف بالبيت وبالصفا والمروة » أمر صريح منه صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، وصيغة الأمر تقتضي الوجوب ما لم يقم دليل صارف عن ذلك ، وقد دل على اقتضائها الوجوب :
الشرع واللغة :
وقال بعضهم : إن العقل يفيد ذلك ، وليس بسديد عندي ، أما دلالة الشرع على ذلك ففي نصوص كثيرة كقوله تعالى :
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
( 63 ) [ النور : 63 ] وهذا الوعيد العظيم على مخالفة أمره ، يدل على وجوب امتثال أمره ، وكقوله تعالى : لإبليس لما لم يمتثل الأمر المدلول عليه بصيغة أفعل التي هي قوله تعالى
اسْجُدُوا لِآدَمَ
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
[ الأعراف : 11 - 12 ] الآية فتوبيخه وتقريعه له في هذه الآية لمخالفته الأمر ، وقد سمي نبي اللّه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، مخالفة الأمر معصية وذلك يدل على وجوب الامتثال في قوله تعالى عنه
أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي
( 93 ) [ طه : 93 ] وكقوله تعالى
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
[ الأحزاب : 36 ] فجعل أمر اللّه ورسوله مانعا من الاختيار موجبا للامتثال ، منبها على عدم الامتثال معصية في قوله بعده :
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً
( 36 ) [ الأحزاب : 36 ] وكقوله تعالى
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
[ الحشر : 7 ] وقوله صلى اللّه عليه وسلم « إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه » « 2 » إلى غير ذلك من الأدلة .
وأما دلالة اللغة على اقتضاء صيغة أفعل الوجوب . فإيضاحها أن أهل اللسان العربي مجمعون على أن السيد لو قال لعبده : اسقني ماء مثلا ، ثم لم يمتثل العبد وعاقبه سيده على عدم الامتثال كان ذلك العقاب واقعا موقعه ، لأن صيغة أفعل ألزمته الامتثال ، وليس للعبد أن يقول : صيغة افعل لم توجب على الامتثال ، ولم تلزمني إياه ؟ فعقابك لي غلط لأني لم أترك شيئا لازما ، حتى تعاقبني عليه . وإجماعهم على أنه ليس له ذلك وأن عقابه له صواب لعصيانه ، دليل على أن صيغة أفعل تقتضي الوجوب ، ما لم يصرف عنه صارف ، وهو قول جمهور الأصوليين . ومقابله أقوال أخر ، أشار لها مراقي السعود بقوله في مبحث الأمر :
وافعل لدى الأكثر للوجوب * وقيل للندب أو المطلوب
هامش
( 1 ) . أخرجه عن أبي موسى الأشعري : البخاري في الحج حديث 1724 ، ومسلم في الحج حديث 154 .
( 2 ) . سبق تخريجه .