المسألة السادسة : اختلف العلماء في السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة ، هل هو ركن من أركان الحج والعمرة ؟
لا يصح واحد منهما بدونه ، ولا يجبر بدم ، أو هو واجب يجبر بدم ، أو سنة لا يلزم بتركه دم ؟ وممن قال : إنه ركن من أركان الحج والعمرة مالك والشافعي وأصحابهما ، وأم المؤمنين عائشة ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وداود ، وهو رواية عن الإمام أحمد كما نقله النووي في شرح المهذب ، وقال في شرح مسلم : مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم : أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج ، لا يصح إلا به ، ولا يجبر بدم وممن قال بهذا : مالك والشافعي ، وأحمد وإسحاق ، وأبو ثور . انتهى محل الغرض منه ، وعزوه إياه لأحمد ، قد قدمنا فيه أنه إحدى الروايات عن أحمد .
وقال ابن قدامة في المغني : وروي عن أحمد أنه ركن لا يتم الحج إلا به ، وهو قول عائشة ، وعروة ، ومالك ، والشافعي .
وممن قال إنه واجب يجبر بدم : أبو حنيفة وأصحابه ، والحسن ، وقتادة ، والثوري ، وبه قال القاضي من الحنابلة ، وذكره النووي رواية عن أحمد وقد رواه ابن القصار من المالكية ، عن القاضي إسماعيل ، عن مالك وقال ابن قدامة في المغني : إنه أولى . وذكر النووي عن طاوس أنه قال : من ترك من السعي أربعة أشواط لزمه دم ، وإن ترك دونها لزمه لكل شوط نصف صاع . وليس هو بركن ، ثم قال : وهو مذهب أبي حنيفة . انتهى .
وما قال النووي : إنه مذهب أبي حنيفة من أن ترك أقل السعي فيه الصدقة بنصف صاع عن كل شوط ، عزاه شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق ، شرح كنز الدقائق للحاكم الشهيد في مختصره المسمى بالكافي ا ه .
ومعلوم أن مذهب أبي حنيفة في طواف الإفاضة ، أن من ترك منه ثلاثة أشواط فأقل ، فعليه دم ، وحجه صحيح ، وتفريقه بين الأقل والأكثر في الطواف الذي هو ركن يدل على التفريق بينهما في السعي ، وممن روي عنه أن السعي بين الصفا والمروة سنة لا يلزم بتركه دم : ابن مسعود وأبيّ بن كعب ، وأنس ، وابن عباس ، وابن الزبير ، وابن سيرين .
وإذا علمت أقوال أهل العلم في السعي : فاعلم أنا نريد هنا أن نبين أدلة كل منهم على ما ذهب إليه مع مناقشتها .
فأما الذين قالوا : إنه ركن من أركان الحج والعمرة ، فقد استدلوا لذلك بأدلة :
منها قوله تعالى :
* إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
[ البقرة : 158 ] الآية . قالوا :
فتصريحه تعالى بأن الصفا والمروة من شعائر اللّه ، يدل على أن السعي بينهما أمر حتم لا بد منه ، لأن شعائر اللّه عظيمة ، لا يجوز التهاون بها . وقد أشار البخاري رحمه اللّه في صحيحه