تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
شرط البخاري ، ومسلم . واعلم أن رواية مسلم ورواية البيهقي المذكورتين معناهما واحد ، لأن « خذوا عني مناسككم » بصيغة فعل الأمر يؤدي معنى قوله « لتأخذوا عني » بالفعل المضارع المجزوم بلام الأمر ، فكلتا الصيغتين صيغة أمر ، ومن المعلوم أن الصيغ الدالة على الأمر أربع الأولى فعل الأمر نحو
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
[ الإسراء : 78 ] وقوله « خذوا عني مناسككم » . الثانية : الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر كقوله تعالى
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
( 29 ) [ الحج : 29 ] وقوله « لتأخذوا عني مناسككم » في رواية مسلم . الثالثة : اسم فعل الأمر نحو قوله تعالى
عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ
[ المائدة : 105 ] . الرابعة : المصدر النائب عن فعله كقوله تعالى :
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ
[ محمد : 4 ] أي فاضربوا رقابهم . ومن أدلتهم على أن السعي فرض لا بد منه ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما ، عن عائشة رضي اللّه عنها قال البخاري رحمه اللّه في صحيحه : حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال عروة : سألت عائشة رضي اللّه عنها فقلت لها : أرأيت قوله تعالى :
* إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما
[ البقرة : 158 ] فواللّه ما على أحد جناح ألا يطوف بالصفا والمروة . قالت : بئس ما قلت يا ابن أختي ، إن هذه لو كانت كما أوّلتها عليه كانت لا جناح عليه ، ألا يطوّف بهما ، ولكنها أنزلت في الأنصار ، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية ، التي كانوا يعبدونها ، عند المشلّل فكان من أهلّ يتحرج أن يطوف بالصفا ، والمروة ، فلما أسلموا سألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك ، قالوا : يا رسول اللّه إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة ، فأنزل اللّه تعالى
* إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
الآية قالت عائشة رضي اللّه عنها : وقد سنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الطواف بينهما ، فليس لأحد أن يترك الطّواف بينهما ، ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال : إن هذا العلم ما كنت سمعته ، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون أنّ الناس إلّا من ذكرت عائشة ، ممن كان يهلّ بمناة كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة ، فلما ذكر اللّه تعالى الطواف بالبيت ولم يذكر الصّفا والمروة ، قالوا : يا رسول اللّه كنا نطوف بالصفا والمروة وإن اللّه أنزل الطواف بالبيت ، فلم يذكر الصفا ، فهل علينا من حرج أن نطّوّف بالصفا ، والمروة ؟ فأنزل اللّه تعالى
* إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
[ البقرة : 158 ] الآية . قال أبو بكر : فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما ، في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة ، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام ، من أجل أن اللّه تعالى أمر بالطواف بالبيت ، ولم يذكر الصفا ، حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر