حديث جبير بالأوقات التي لا ينهى عن الصلاة فيها بمكة ، ويجتمعان في أوقات النهي في مكة ، فعموم أحاديث النهي يشمل مكة وغيرها ، وعموم إباحة الصلاة في جميع الزمن في حديث جبير ، يشمل أوقات النهي وغيرها في مكة فيظهر التعارض في أوقات النهي في مكة ، فيجب الترجيح . وأحاديث النهي أرجح من حديث جبير من وجهين :
أحدهما : أنها أصح منه لثبوتها في الصحيح .
والثاني : هو ما تقرر في الأصول ، أن النص الدال على النهي يقدم على النص الدال على الإباحة ، لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح ، كما قدمناه مرارا . والعلم عند اللّه تعالى .
الفرع التاسع : [ أقوال العلماء في نية الطواف ]
اعلم أن أظهر أقوال العلماء ، وأصحها إن شاء اللّه : أن الطواف لا يفتقر إلى نية تخصه ، لأن نية الحج تكفي فيه ، وكذلك سائر أعمال الحج كالوقوف بعرفة ، والمبيت بمزدلفة ، والسعي ، والرمي كلها لا تفتقر إلى نية ، لأن نية النسك بالحج تشمل جميعها ، وعلى هذا أكثر أهل العلم . ودليله واضح ، لأن نية العبادة تشمل جميع أجزائها فكما لا يحتاج كل ركوع وسجود من الصلاة إلى نية خاصة لشمول نية الصلاة لجميع ذلك ، فكذلك لا تحتاج أفعال الحج لنية تخص كل واحد منها ، لشمول نية الحج لجميعها .
ومما استدلوا به لذلك ، أنه لو وقف بعرفة ناسيا أجزأه ذلك بالإجماع ، قاله النووي .
ومقابل القول الذي هو الصواب إن شاء اللّه قولان آخران لأهل العلم :
أحدهما : وبه قال أبو علي بن أبي هريرة من الشافعية ، أن ما كان منها مختصا بفعل كالطواف والسعي والرمي ، فهو مفتقر إلى نية ، وما كان منها غير مختص بفعل بل هو لبث مجرد كالوقوف بعرفة ، والمبيت بمزدلفة فهو لا يفتقر إلى نية .
والثاني منهما : وبه قال أبو إسحاق المروزي : أنه لا يفتقر شيء من أعمال الحج ، إلى نية إلا الطواف ، لأنه صلاة ، والصلاة تفتقر إلى النية ، وأظهرها وأصحها إن شاء اللّه الأول ، وهو قول الجمهور .
الفرع العاشر : [ أظهر قولي العلماء عندي ]
أظهر قولي العلماء عندي أنه إن أقيمت الصلاة وهو في أثناء الطواف أنه يصلي مع الناس ولا يستمر في طوافه مقدما إتمام الطواف على الصلاة ، وممن قال بذلك : ابن عمر ، وسالم ، وعطاء ، وأبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وأصحابهم ، وأبو ثور . وروي ذلك عنهم في السعي أيضا ولكن عند المالكية لا يجوز قطع الطواف إلا للصلاة المكتوبة خاصة ، إذا أقيمت ، وهو في أثناء الطواف ، ويبني عندهم إن قطعه للصلاة خاصة ، ويندب عندهم إكمال الشوط إن قطعه في أثناء شوط ، وإن قطعه لغيرها كصلاة الجنازة ، أو تحصيل نفقة لا بد منها لم يبن على ما مضى منه ، بل يستأنف الطواف عندهم ،