ووجه الجمع بين هذه الأحاديث الدالة على طوافه راكبا ، مع الأحاديث الدالة على أنه طاف ماشيا : كأحاديث الرمل في الأشواط الثلاثة الأول ، والمشي في الأربعة الأخيرة : هو « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم طاف طواف القدوم ماشيا ، ورمل في أشواطه الثلاثة الأول ، وطاف طواف الإفاضة في حجة الوداع راكبا » هو نص صريح صحيح ، يبين أن من طاف ، وسعى راكبا ، فطوافه وسعيه كلاهما صحيح ، لفعل النبي صلى اللّه عليه وسلم ذلك مع قوله « خذوا عني مناسككم » وقد قدمنا البحث مستوفى في المشي ، والركوب في الحج مع مناقشة أدلة الفريقين . والعلم عند اللّه تعالى .
الفرع الثامن : أجمع العلماء على مشروعية صلاة ركعتين بعد الطواف ، ولكنهم اختلفوا في ركعتي الطواف ، هل حكمهما الوجوب أو السنية ؟
فقال بعض أهل العلم : إن ركعتي الطواف واجبتان ، واستدلوا لوجوبهما بصيغة الأمر في قوله
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
[ البقرة : 125 ] على قراءة ابن كثير ، وأبي عمرو ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، قالوا : والنبي صلى اللّه عليه وسلم لما طاف : قرأ هذه الآية الكريمة ، وصلى ركعتين خلف المقام ، ممتثلا بذلك الأمر في قوله
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
[ البقرة : 125 ] . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم « خذوا عني مناسككم » والأمر في قوله
وَاتَّخِذُوا
على القراءة المذكورة يقتضي الوجوب كما بيناه مرارا في هذا الكتاب المبارك . وقال جمهور العلماء : إن ركعتي الطواف من السنن ، لا من الواجبات ، واستدلوا لعدم وجوبهما بحديث طلحة بن عبيد اللّه رضي اللّه عنه الثابت في الصحيح . قال : جاء رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، من أهل نجد ، ثائر الرأس ، يسمع دويّ صوته ، ولا يفقه ما يقول ، فإذا هو يسأل عن الإسلام ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « خمس صلوات في اليوم والليلة ، فقال : هل عليّ غيرها ؟ قال : لا ، إلا أن تطّوّع » الحديث « 1 » . قالوا : وفي هذا الحديث الصحيح التصريح بأنه لا يجب شيء من الصلاة ، غير الخمس المكتوبة ، وقد يجاب عن هذا الاستدلال : بأن الأمر بصلاة ركعتي الطواف ، خلف المقام وارد بعد قوله صلى اللّه عليه وسلم « لا . إلا أن تطّوّع » والعلم عند اللّه تعالى .
والمستحب أن يقرأ في الأولى من ركعتي الطواف
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
( 1 ) [ الكافرون : 1 ] وفي الثانية
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
( 1 ) [ الإخلاص : 1 ] كما هو ثابت في حديث جابر « 2 » . وجمهور أهل العلم على أن ركعتي الطواف ، لا يشترط في صحة صلاتهما أن تكون خلف المقام ، بل لو صلاهما في أي موضع غيره صح ذلك . ولو طاف في وقت نهى ، فأحد قولي أهل العلم : إنه يؤخر صلاتهما إلى وقت لا نهي عن النافلة فيه ، ومما يدل على هذين الأمرين أعني صحة صلاتهما في موضع آخر ، وتأخير صلاتهما إلى وقت غير
هامش
( 1 ) . أخرجه البخاري في الإيمان حديث 46 ، ومسلم في الإيمان حديث 8 .
( 2 ) . أخرجه مسلم في الحج حديث 147 .