الإحاطة ، والعرب تقول : رأيت الشيء وما أدركته ، فمعنى لا تدركه الأبصار لا تحيط به ، كما أنه تعالى يعلمه الخلق ولا يحيطون به علما .
وقد اتفق العقلاء على أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم ، فانتفاء الإدراك لا يلزم منه انتفاء مطلق الرؤية ، مع أن اللّه تعالى لا يدرك كنهه على الحقيقة أحد من الخلق .
والدليل على صحة هذا الوجه ما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى مرفوعا « حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » « 1 » .
فالحديث صريح في عدم الرؤية في الدنيا ، ويفهم منه عدم إمكان الإحاطة مطلقا .
والحاصل : أن رؤيته تعالى بالأبصار جائزة عقلا في الدنيا والآخرة لأن كل موجود يجوز أن يرى عقلا ، ويدل لجوازها عقلا قول موسى
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
[ الأعراف :
143 ] لأنه لا يجهل الجائز في حق اللّه تعالى عقلا .
وأما في الشرع فهي جائزة وواقعة في الآخرة ممتنعة في الدنيا ومن أصرح الأدلة في ذلك ما رواه مسلم وابن خزيمة مرفوعا : « إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا » « 2 » والأحاديث برؤية المؤمنين له يوم القيامة متواترة . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
[ 106 ] لا يعارض آيات السيف لأنها ناسخة له .
قوله تعالى :
قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
[ 128 ] الآية .
هذه الآية الكريمة يفهم منها كون عذاب أهل النار غير باق بقاء لا انقطاع له أبدا ونظيرها قوله تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ( 106 ) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ
[ هود : 106 - 107 ] وقوله تعالى :
لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً
[ النبأ : 23 ] .
وقد جاءت آيات تدل على أن عذابهم لا انقطاع له كقوله
خالِدِينَ فِيها أَبَداً
[ النساء : 169 ] .
والجواب عن هذا من أوجه :
هامش
( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الثالث .
( 2 ) سبق تخريجه في الجزء الثالث .