وعلى هذا القول فهذا الترخيص في مجالسة الكفار للمتقين من المؤمنين كان في أول الإسلام للضرورة ، ثم نسخ بقوله تعالى :
إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ
.
وممن قال بالنسخ فيه مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم كما نقله عنهم ابن كثير ، فظهر أن لا إشكال على كلا القولين . ومعنى قوله تعالى :
وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
على الوجه الأول أنهم إذا اجتنبوا مجالسهم سلموا من الإثم ، ولكن الأمر باتقاء مجالستهم عند الخوض في الآيات لا يسقط وجوب تذكيرهم ووعظهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لعلهم يتقون اللّه بسبب ذلك .
وعلى الوجه الثاني فالمعنى إن الترخيص في المجالسة لا يسقط التذكير لعلهم يتقون الخوض في آيات اللّه بالباطل إذا وقعت منكم الذكرى لهم . وأما جعل الضمير للمتقين فلا يخفى بعده ، والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها
[ 92 ] .
يتوهم منه الجاهل أن إنذاره صلى اللّه عليه وسلم مخصوص بأم القرى وما يقرب منها دون الأقطار النائية منها لقوله تعالى « من حولها » ونظيره : قوله تعالى في سورة الشورى
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ
[ الشورى : 7 ] الآية .
وقد جاءت آيات أخر تصرح بعموم إنذاره صلى اللّه عليه وسلم لجميع الناس كقوله تعالى
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
[ الفرقان : 1 ] وقوله تعالى
وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ
[ الأنعام : 19 ] وقوله
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً
[ الأعراف : 158 ] وقوله
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ
[ سبأ : 28 ] الآية .
والجواب من وجهين :
الأول : أن المراد بقوله ومن حولها شامل لجميع الأرض كما رواه ابن جرير وغيره عن ابن عباس .
الوجه الثاني : أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن قوله ومن حولها لا يتناول إلا القريب من مكة المكرمة ، حرسها اللّه كجزيرة العرب مثلا ، فإن الآيات الأخر نصت على العموم كقوله
لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
( 1 ) .