واعلم أن تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز لم يقل به النّبي صلى اللّه عليه وسلم ولا أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من الأئمة الأربعة ، وما يروى عن الإمام أحمد من أنه قال في مثل إنا نحن من كلام اللّه ، أنه من مجاز اللغة فإنه يعني بذلك أنه من الشيء الجائز في اللغة ، ولم يقصد المجاز الاصطلاحي الذي هو ضد الحقيقة كما أوضحه ابن القيم رحمه اللّه .
فصل بيان معنى الحقيقة في آيات الصفات
فإن قيل : إذا منعتم المجاز في آيات الصفات فما معنى الحقيقة فيها ؟ .
فالجواب : أن الصفات تختلف حقائقها باختلاف موصوفاتها ، فللخالق جل وعلا صفات حقيقية تليق به ، وللمخلوق صفات حقيقية تناسبه وتلائمه ، وكل من ذلك حقيقة في محله .
ومعاني صفات اللّه جل وعلا معروفة وكيفياتها لا يعلمها إلا اللّه ، كما قال مالك وأم سلمة : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول . والدليل على أن الكيف غير معقول قوله تعالى
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
وحاصل تحرير الحق في مسألة آيات الصفات على وجه لا إشكال فيه مبنى على أمرين :
الأول : الإيمان بكل ما ثبت في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة على وجه الحقيقة لا المجاز .
والثاني : نفي التشبيه والتمثيل عن كل وصف ثبت للّه في كتاب أو سنة صحيحة .
فمن نفى وصفا أثبته اللّه لنفسه أو أثبته له رسوله صلى اللّه عليه وسلم فهو معطل ومعلوم أنه لا يصف اللّه أعلم باللّه من اللّه ، ولا يصف اللّه بعد اللّه أعلم به من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أأنتم أعلم أم اللّه ؟
ومن شبه وصف ربه بصفات المخلوق فهو مشبه ملحد وكل تعطيل ناشىء عن تشبيه ومن آمن بصفات ربه منزها له عن التشبيه والتمثيل بصفات الحوادث فهو مؤمن موحد سالم من ورطة التشبيه والتعطيل ، جامع بين الإيمان والتنزيه . والدليل على ما ذكرنا من أن تحرير المقام حاصل بالأمرين المذكورين قوله تعالى
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى : 11 ] فقوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
فيه نفي التمثيل ، وقوله
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
فيه إثبات الصفات على الحقيقة . وإذا كان نافي بعض الصفات يضطر إلى الاعتراف بأنه جل وعلا ذات مخالفة لجميع الذوات ، فعليه أن