على الزعم المذكور أنها حقيقة واحدة والمجاز من أفرادها فيكون المشبه المدعي دخوله في جنس المشبه به جائز النفي نظرا للمجاز غير جائزة نظرا للحقيقة وهو مستحيل على زعم اتحاد الحقيقة وأنها شاملة للمجاز .
وهذا الزعم رد الجمهور مثله على الشيخ يوسف السكاكي في قوله إن الاستعارة بالكناية هي لفظ المشبه الثابت المدعي أنه فرد من أفراد المشبه به المحذوف المرموز له بلازمه بدليل إضافة لازمه إليه ، فهو يزعم أن المنية مثلا في قول الشاعر :
وإذ المنية أنشبت أظفارها * . . .
البيت .
فرد من فراد الأسد ، المشبه به المحذوف المرموز له بلازمه الذي هو الأظفار لا شيء آخر ، بدليل إضافة أظفاره إليها ، ويزعم أن الحال مثلا في قولك الحال ناطقه بكذا فرد من أفراد الإنسان المشبه به المحذوف المرموز له بلازمه الذي هو النطق لا شيء آخر . بدليل إضافة لازمه الذي هو النطق إليها ، فردوا هذا الكذب على السكاكي وارتكبوا نظيره .
كما أن السكاكي أبطل الاستعارة التبعية من أصلها زاعما أن قرينتها عند الجمهور استعارة بالكناية . وأن التبعية عند الجمهور قرينة تلك المكنية مع ارتكابه أيضا نظير ما نفى ، كما هو معلوم في محله .
وكذلك نفي السكاكي المجاز العقلي زاعما أنه استعارة الكناية في مكنيته المزعومة أبعد مما نفى من المجاز العقلي ، كما هو معلوم في محله أيضا .
فإن قيل : هذا المحذور الناشئ من جواز النفي في المجاز واقع في الحقيقة أيضا ، فإن بعض الحقائق يجوز نفيه كقول العرب لقليل الفائدة : هو ليس بشيء . وإذا يلزم منع الحقيقة في القرآن أيضا للمانع الذي منعتم به المجاز وهو جواز النفي .
فجوابه الجدلي أن نقول سلب الحقيقة مجاز على قولكم والمجاز يجوز نفيه على قولكم أيضا فنقول قولكم ليس بشيء يجوز نفيه لأنه مجاز بل هو شيء على الحقيقة .
ومعلوم أن نفي النفي إثبات . وجوابه لحقيقي أن إطلاق النفي على بعض الحقائق باعتبار عدم فائدتها أسلوب من أساليب اللغة العربية ، وهو حقيقة في محله مفهوم من قرينة حاله أنه لم يقصد نفي الحقيقة من أصلها ، وإنما قصد نفي فائدتها كقوله صلى اللّه عليه وسلم عن الكهان « ليسوا بشيء » وكسلب الحياة والسمع والبصر عن الكفار في القرآن في آيات كثيرة ، وأمثال ذلك كثيرة جدا في الكتاب والسنة وكلام العرب .