خاتمة
ثم إنا نريد أن نضرب مثلا لمناظرة نافي بعض الصفات بذكر مثال منها ، ليفهم منه غيره ويعلم منه كيفية إقناع الخصم على طريق المناظرة ، فنقول : نافي الاستواء مثلا يستدل على نفي حقيقته بأنه يلزمه مشابهة الحوادث ، وذلك محال على اللّه وما لزمه المحال فهو محال ، وهذا الدليل قد يكون استثنائيا ، وقد يكون اقترانيا وسنبين وجه بطلانه على كلا الأمرين إن شاء اللّه .
فنقول : إيضاح جعله استثنائيا أن الخصم يقول لو كان مستويا على العرش لكان مشابها للحوادث لكنه غير مشابه للحوادث ينتج فهو غير مستو على العرش ، فنقول هذا قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة لزومية في زعم المستدل المعطل .
ومن استثنائية يستثني فيه نقيض التالي ينتج نقيض المقدم في زعمه ، وقد أجمع النظار على أن قياس الشرطية المتصلة اللزومية يتوجه إليه القدح من جهة الشرطية أو الاستثنائية أو كل منهما معا ، وشرطية هذه الشرطية التي استدل بها الخصم كاذبة لأنها في هذا المثال لا تصدق إلا جزئية ، لأن تاليها أخص من مقدمها والحكم بالأخص على الأعم لا يصدق إلا جزئيا إيجابيا كان أو سلبيا بإجماع العقلاء وسواء كان الحكم معلقا كما في الشرطيات أو غير معلق كما في الحمليات ولا يخفى أن الصدق والكذب في الشرطية المتصلة اللزومية إنما يتواردان على صحة الربط بين المقدم والتالي سواء كانا موجودين في الخارج أو لا ، فهي تكون صادقة مع كونها كاذبة الطرفين لو أزيل الربط بين المقدم والتالي فصار كل واحد منهما بإزالة الربط قضية حملية مستقلة ألا ترى أن قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] شرطية صادقة بلا شك مع أن أداة الربط لو أزيلت كان المقدم قضية حملية كاذبة ، وهي كان فيهما آلهة إلا اللّه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا . وصار التالي أيضا فسدتا أي السماوات والأرض لأن مدار الصدق في الشرطيات على صحة الربط سواء كان المقدم والتالي موجودين في الخارج أو لا ، كما هو معروف في محله ، فظهر من هذا أن قول الخصم لو كان مستويا على العرش لكان مشابها للحوادث شرطية كاذبة ، لأن الاستواء على العرش لا يلزمه مشابهة الحوادث البتة ، بل هو تعالى مستو على عرشه ، كما قال من غير مماثلة ولا مشابهة لاستواء الحادث والاعتراف بهذا يلزم الخصم لاعترافه بنظيره في كونه تعالى