فإن قيل : هذه الأشياء التي ذكرتم منعها في القرآن مع جوازها في اللغة ، ظهر وجه منعها في القرآن ، فما دليل على منع المجاز فيه .
فالجواب من وجهين :
الأول : هو ما قدمنا من أن القائلين به يجيزون نفيه ، فيلزم على القول به في القرآن جواز نفي بعض القرآن ، وهذا لا محذور أكبر منه .
الثاني : أن المستدل لجوازه في القرآن يستدل بالكلية الموجبة المتقدمة ، وهي قوله كل جائز في اللغة العربية جائز في القرآن وليس عند دليل غير هذا ، لأن المجاز لم يقل به النّبي صلى اللّه عليه وسلم ولا أحد من الصحابة ولا التابعين وأول من ذكره معمر بن المثنى أبو عبيدة وقد قدمنا أن وجود مثال واحد صحيح في اللغة العربية دون القرآن تبطل به الكلية الموجبة المذكورة من أصلها كما هو مقرر في محله .
مع أن المقدمة الصغرى من هذا الدليل التي هي قوله المجاز جائز في اللغة معارضة بما تقدم أيضا ، فظهر عدم صحة واحدة من مقدمتي دليله . وبذلك يظهر عدم صحة نتيجته التي هي قوله المجاز جائز في القرآن .
واعلم أن المجاز عند الأصوليين ينصرف إلى المجاز المفرد ، وفي الغالب لا يذكرون المجاز العقلي ولا المجاز المركب .
فإذا عرفت أن مرادهم بالمجاز هو المجاز المفرد المنقسم إلى استعارة ومجاز مرسل ، فاعلم أنه عندهم ثلاثة أقسام .
قسم يجيزه أكثرهم ويمنعه البعض وهو الذي قدمنا منعه مطلقا عن أبي إسحاق والفارسي وقد قال بمنعه مطلقا أبو العباس ابن تيمية والعلامة ابن القيم ، وقدمنا منعه في القرآن عن ابن خويز منداد وابن القاص وأبي العباس وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهم اللّه .
وقسم اختلف فيه القائلون بجواز هذا وهو حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معا أو على مجازيه أو على حقيقته إن كان مشتركا ، مجازا فمثال حمله على حقيقته ومجازه إطلاق الأسد وإرادة الحيوان المفترس والرجل الشجاع معا مجازا فهذا المجاز مختلف في جوازه عندهم وقصدنا مطلق التمثيل وهو لا يعترض .
وإلا فالقائلون بجواز حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معا يشترطون في ذلك مساواة المجاز للحقيقة في الشهرة وإلا لم يجز والمثال المذكور لا يساوي فيه المجاز
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز ) — صفحة 259
مساهمون: الشنقيطي
ص٢٥٩