فالجواب : أن قوله يريد أن ينقض لا مانع من حمله على حقيقة الإرادة المعروفة في اللغة ، لأن اللّه يعلم للجمادات ما لا نعمله لها كما قال تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
[ الإسراء : 44 ] الآية .
وقد ثبت في صحيح البخاري حنين الجذع الذي كان يخطب عليه صلى اللّه عليه وسلم . وثبت في صحيح مسلم أنه صلى اللّه عليه وسلم قال « إني أعرف حجرا كان يسلم علي في مكة » وأمثال هذا كثيرة جدا . فلا مانع من أن يعلم اللّه من ذلك الجدار إرادة الانقضاض .
ويجاب عن هذه الآية أيضا بما قدمنا من أنه لا مانع من كون العرب تستعمل الإرادة عند الإطلاق في معناها المشهور ، وتستعملها في الميل عند دلالة القرينة على ذلك . وكلا الاستعمالين حقيقة في محله . وكثيرا ما تستعمل العرب الإرادة في مشارفة الأمر ، أي قرب وقوعه كقرب الجدار من الانقضاض سمي إرادة وكقول الراعي :
في مهمه قلقت به هاماتها * قلق الفؤوس إذا أردن نضولا
يعني بقوله : أردن تحركن مشرفات على النضول وهو السقوط . وكقول الآخر :
يريد الرمح صدر أبي براء * ويعدل عن دماء بني عقيل
فقوله : يريد الرمح صدر أبي براء ، أي يميل إليه . وأمثال هذا كثيرة في اللغة العربية ، والجواب عن قوله
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
من وجهين أيضا :
الأول : أن إطلاق القرية وإرادة أهلها من أساليب اللغة العربية أيضا كما قدمنا .
الثاني : أن المضاف المحذوف كأنه مذكور لأنه مدلول عليه بالاقتضاء وتغيير الإعراب عند الحذف من أساليب اللغة أيضا كما عقده في الخلاصة بقوله :
وما يلي المضاف يأتي خلفا * عنه في الإعراب إذا ما حذفا
مع أن كثيرا من علماء الأصول يسمون الدلالة على المحذوف في نحو قوله :
واسأل القرية دلالة الاقتضاء واختلفوا هل هي من النطوق غير الصريح أو من الفهوم .
كما أشار له في مراقي السعود بقوله :
وفي كلام الوحي والمنطوق هل * ما ليس بالصريح فيه قد دخل
وهو دلالة اقتضاء إن يدل * لفظ على ما دونه لا يستقل
دلالة اللزوم الخ .
والجمهور على أنها من المفهوم لأنها دلالة الالتزام ، وعامة البيانيين وأكثر