تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز ) — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
الضرب من ضربي القول بالموجب هو الأسلوب الحكيم وأنه جاء في القرآن في قوله :
* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
[ البقرة : 189 ] . وقوله :
يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ
[ البقرة : 215 ] الآية . فهو غير صحيح لأنه ليس في الآيتين الحكم بوقوع سبة خبرية إيجابا أو سلبا حتى يقال بموجبها أو لا يقال به . وقد أجمع عامة النظار على أن التصديق لا يوجد بالفعل إلا عند وجود التصور الرابع الذي هو تصور وقوع النسبة بالفعل أو عدم وقوعها ، سواء قلنا بأنه مركب أو بسيط ، فالشاك في وقوع النسبة يتصور ثلاثة تصورات ، وهي تصور الموضوع الذي هو المحكوم عليه ، وتصور المحمول الذي هو المحكوم به ، وتصور النسبة الحكمية التي هي مورد الإيجاب والسلب من غير تصور وقوعها ولا عدم وقوعها ، وهو أي الشاك ليس بحاكم بشيء على التحقيق حتى يقال بموجبه أو لا يقال به . فمن سأل عن الأهلة وعماذا ينفق لم يحكم بشيء حتى يقال بموجبه ويحمل على غير مراده ، لأن الاستفهام إنشاء وليس فيه نسبة خبرية يتوارد عليها السلب والإيجاب ، حتى يصدق عليها أن لها موجبا يقال به . ولذا لا يجوز خطاب السائل عن الأهلة مثلا : بكذبت ولا صدقت لأنه لم يخبر بشيء . فبهذا يتضح لك أن ما سماه السكاكي الأسلوب الحكيم ، وسماه عبد القاهر المغالطة ، منه ما هو قول بالموجب كقصة الحجاج والقبعثري ، ومنه ما لا يدخل في حد القول بالموجب كالآيتين المذكورتين كما بينا ، وهو المطلوب . فإن قيل : كيف أجاب اللّه في الآيتين بجواب غير مطابق للسؤال ؟ فالجواب : أن السؤال ضربان جدلي وتعليمي . فالجدلي يجب أن يطابقه جوابه كما عرف في فن المناظرة ، والتعليمي يبني فيه الأمر على حال السائل ، كالطبيب يبني علاجه على حال المريض دون سؤاله فتجوز المخالفة فيه . ولا يلزم من ذلك أن المسؤول حمل كلام السائل على غير مراده ولكنه كلمه بما فيه له الفائدة ، فلم يقم دليل من عقل ولا نقل على أن اللّه حمل سؤالهم عن الأهلة على غير مرادهم ، بل بين لهم الحكمة وترك ما لا فائدة لهم فيه ، مع أن جماعة من السلف صرحوا بأن السؤال عن حكمة خلق الأهلة . فالجواب إذا مطابق للسؤال ، وانتصر لهذا السيوطي غاية الانتصار وعليه فالأمر