تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز ) — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
فإن قيل : هذه الزيادات لم تغير الإعراب والكلام فيما غيره . فالجواب : أن تغير الإعراب بزيادة كلمة لنكتة أو نقصها للدلالة عليها بالاقتضاء أسلوب من أساليب اللغة كما تقدم . والحكم بأنه مجاز لا دليل عليه يجب الرجوع إليه . والجواب عن قوله تعالى :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ
[ الإسراء : 24 ] أن الجناح هنا مستعمل في حقيقته ، لأن الجناح يطلق لغة حقيقة على يد الإنسان وعضده وإبطه . قال تعالى :
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ
[ القصص : 32 ] . والخفض مستعمل في معناه الحقيقي الذي هو ضد الرفع ، لأن مريد البطش يرفع جناحيه ومظهر الذل والتواضع يخفض جناحيه . فالأمر بخفض الجناح للوالدين كناية عن لين الجانب لهما والتواضع لهما ، كما قال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[ الشعراء : 215 ] وإطلاق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب أسلوب معروف . . ومنه قول الشاعر :
وأنت الشهير بخفض الجناح * فلا تك في رفعه أجدلا
وأما إضافة الجناح إلى الذل فلا تستلزم المجاز كما يظنه كثير ، لأن الإضافة فيه كالإضافة في قولك حاتم الجود ، فيكون المعنى واخفض لهما الجناح الذليل من الرحمة أو الذلول على قراءة الذل بالكسر ، وما يذكر عن أبي تمام من أنه لما قال :
لا تسقني ماء الملام فإنني * صب قد استعذبت ماء بكائي
جاءه رجل فقال له : صب لي في هذا الإناء شيئا من ماء الملام ، فقال له : إن أتيتني بريشة من جناح الذل صببت لك شيئا من ماء الملام . فلا حجة فيه لأن الآية لا يراد بها أن الذل جناحا وإنما يراد بها خفض الجناح المتصف بالذل للوالدين من الرحمة بهما ، وغاية ما في ذلك إضافة الموصوف إلى صفته كحاتم الجود . ونظيره في القرآن الإضافة في قوله : مطر السوء وعذاب الهون . يعني مطر حجارة السجيل الموصوف بسوئه من وقع عليه . وعذاب أهل النار الموصوف بهون من وقع عليه والمسوغ لإضافة خصوص الجناح إلى الذل مع أن الذل من صفة الإنسان لا من صفة خصوص الجناح . إن خفض الجناح كنى به عن ذل الإنسان وتواضعه ولين جانبه لوالديه رحمة بهما وإسناد صفات الذات لبعض أجزائها من أساليب اللغة العربية كإسناد الكذب والخطيئة إلى الناصية في قوله ناصية كاذبة خاطئة وكإسناد الخشوع والعمل والنصب إلى الوجوه في قوله :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ( 2 ) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ
[ الغاشية : 2 - 3 ] وأمثال ذلك كثيرة في