بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
سورة الشمس
قوله تعالى :
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
[ 8 ] .
يدل على أن اللّه هو الذي يجعل الفجور والتقوى في القلب ، وقد جاءت آيات تدل على أن فجور العبد وتقواه باختياره ومشيئته كقوله تعالى :
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
[ فصلت : 17 ] .
وقوله تعالى :
اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى
[ البقرة : 16 ] ، ونحو ذلك ، وهذه المسألة هي التي ضل فيها القدرية والجبرية .
أما القدرية : فضلوا بالتفريط حيث زعموا أن العبد يخلق عمل نفسه استقلالا من غير تأثير لقدرة اللّه فيه .
وأما الجبرية فضلوا بالإفراط حيث زعموا أن العبد لا عمل له أصلا حتى يؤاخذ به .
وأما أهل السنة والجماعة فلم يفرطوا ولم يفرطوا ، فأثبتوا للعبد أفعالا اختيارية ، ومن الضروري عند جميع العقلاء أن الحركة الارتعاشية ليست كالحركة الاختيارية ، وأثبتوا أن اللّه خالق كل شيء فهو خالق العبد وخالق قدرته وإرادته ، وتأثير قدرة العبد لا يكون إلا بمشيئة اللّه تعالى .
فالعبد وجميع أفعاله بمشيئة اللّه تعالى . مع أن العبد يفعل اختيارا بالقدرة والإرادة اللتين خلقهما اللّه فيه فعلا اختياريا يثاب عليه ويعاقب .
ولو فرضنا أن جبريا ناظر سنيا فقال الجبري : حجتي لربي أن أقول إني لست مستقلا بعمل ، وأني لا بد أن تنفذ في مشيئته وإرادته على وفق العلم الأزلي ، فأنا مجبور . فكيف يعاقبني على أمر لا قدرة لي أن أحيد عنه ؟ فإن السني يقول له : كل الأسباب التي أعطاها للمهتدين أعطاها لك جعل لك سمعا تسمع به ، وبصرا تبصر به ، وعقلا تعقل به ، وأرسل لك رسولا ، وجعل لك اختيارا وقدرة ، ولم يبق بعد ذلك إلا التوفيق وهو ملكه المحض ، إن أعطاه ففضل ، وإن منعه فعدل .
كما أشار له تعالى بقوله :
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ