[ الأنعام : 149 ] يعني أن ملكه للتوفيق حجة بالغة على الخلق ، فمن أعطيه ففضل ، ومن منعه فعدل .
ولما تناظر أبو إسحاق الأسفرائيني مع عبد الجبار المعتزلي . قال عبد الجبار :
سبحان من تنزه عن الفحشاء ، وقصده أن المعاصي كالسرقة والزنى بمشيئة العبد دون مشيئة اللّه ، لأن اللّه أعلى وأجل من أن يشاء القبائح في زعمهم .
فقال أبو إسحاق . كلمة أريد بها باطل ، ثم قال : سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء .
فقال عبد الجبار : أتراه يخلقه ويعاقبني عليه ؟
فقال أبو إسحاق : أتراك تفعله جبرا عليه ؟ أأنت الرب وهو العبد ؟
فقال عبد الجبار : أرأيت إن دعاني إلى الهدى وقضى علي بالردى أتراه أحسن إلي أم أساء ؟
فقال أبو إسحاق : إن كان الذي منعك منه ملكا لك فقد أساء ، وإن كان له ، فإن أعطاك ففضل ، وإن منعك فعدل . فبهت عبد الجبار ، وقال الحاضرون : واللّه ما لهذا جواب .
وجاء أعرابي إلى عمرو بن عبيد وقال له : ادع اللّه لي أن يرد عليّ حمارة سرقت مني ، فقال : اللهم إن حمارته سرقت ولم ترد سرقتها فارددها عليه . فقال له الأعرابي :
يا هذا كف عني دعائك الخبيث . إن كانت سرقت ولم يرد سرقتها فقد يريد ردها ولا ترد . وقد رفع اللّه إشكال هذه المسألة بقوله تعالى :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ *
فأثبت للعبد مشيئة ، وصرح بأنه لا مشيئة العبد إلا بمشيئة اللّه جل وعلا . فكل شيء صادر عن قدرته ومشيئته جل وعلا .
وقوله :
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
[ الأنعام : 149 ] .
وأما على قول من فسر الآية الكريمة بأن معنى
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
أنه بين لها طريق الخير وطريق الشر ، فلا إشكال في الآية . وبهذا المعنى فسرها جماعة من العلماء .
والعلم عند اللّه تعالى .