وقال ابن الأنباريّ : عسى في القرآن واجبة إلّا في موضعين :
أحدهما :
عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ
[ الإسراء : 8 ] يعني : بني النّضير ، فما رحمهم اللّه ، بل قاتلهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأوقع عليهم العقوبة .
والثاني :
عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً
[ التحريم : 5 ] فلم يقع التبديل .
وأبطل بعضهم الاستثناء ، وعمم القاعدة ؛ لأنّ الرحمة كانت مشروطة بألّا يعودوا ، كما قال :
وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا
[ الإسراء : 8 ] ، وقد عادوا ، فوجب عليهم العذاب ، والتّبديل مشروطا بأن يطلّق ولم يطلّق ، فلا يجب .
وفي « الكشاف » « 1 » : في سورة التحريم :
عَسى
إطماع من اللّه تعالى لعباده ، وفيه وجهان :
أحدهما : أن يكون ما جرت به عادة الجبابرة من الإجابة بلعلّ وعسى ، ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبتّ .
والثاني : أن يكون جيء به تعليما للعباد أن يكونوا بين الخوف والرجاء .
وفي « البرهان » « 2 » : عسى ولعلّ من اللّه واجبتان ، وإن كانتا رجاء وطمعا في كلام المخلوقين ؛ لأنّ الخلق هم الذين يعرض لهم الشّكوك والظنون ، والبارئ منزّه عن ذلك .
والوجه في استعمال هذه الألفاظ : أنّ الأمور الممكنة لمّا كان الخلق يشكّون فيها ولا يقطعون على الكائن منها ، واللّه يعلم الكائن منها على الصحّة ، صارت لها نسبتان : نسبة إلى اللّه تسمّى نسبة قطع ويقين ، ونسبة إلى المخلوقين تسمّى نسبة شكّ وظن ، فصارت هذه الألفاظ لذلك ترد : تارة بلفظ القطع بحسب ما هي عليه عند اللّه تعالى ، نحو :
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : 54 ] . وتارة بلفظ ، الشكّ بحسب ما هي عليه عند الخلق ، نحو :
فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ
[ المائدة : 52 ] . ونحو :
فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
( 44 ) [ طه : 44 ] ، وقد علم اللّه . حال إرسالهما . ما يفضي إليه حال فرعون ؛ لكن ورد اللّفظ بصورة ما يختلج في نفس موسى وهارون من الرّجاء والطمع . ولمّا نزل القرآن بلغة العرب جاء على مذاهبهم في ذلك ، والعرب قد تخرج الكلام المتيقّن في صورة المشكوك لأغراض .
وقال ابن الدّهان : ( عسى ) فعل ماضي اللفظ والمعنى . لأنه طمع قد حصل في شيء مستقبل .
هامش
( 1 ) انظر الكشاف 4 / 127 .
( 2 ) البرهان 4 / 158 - 159 .