وأمّا الترتيب والمهلة فخالف قوم في اقتضائها إيّاهما ، تمسّكا بقوله :
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها
[ الزمر : 6 ] .
وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 8 ) ثُمَّ سَوَّاهُ
[ السجدة : 7 . 9 ] ،
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ( 82 )
[ طه : 82 ] . والاهتداء سابق على ذلك ،
ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ
[ الأنعام : 153 . 154 ] .
وأجيب : عن الكل بأنّ ثم لترتيب الأخبار لا لترتيب الحكم .
قال ابن هشام : وغير هذا الجواب أنفع منه ، لأنه يصحّح الترتيب فقط لا المهلة ، إذ لا تراخي بين الإخبارين . والجواب المصحّح لهما ما قيل في الأولى : إنّ العطف على مقدّر ، أي : من نفس واحدة : أنشأها ثم جعل منها زوجها ، وفي الثانية : أنّ
سَوَّاهُ
عطف على الجملة الأولى لا الثانية ، وفي الثالثة أنّ المراد : ثمّ دام على الهداية .
فائدة : أجرى الكوفيّون ( ثمّ ) مجرى الفاء والواو ، في جواز نصب المضارع المقرون بها بعد فعل الشرط ، وخرّج عليه قراءة الحسن :
وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ
[ النساء : 100 ] بنصب
يُدْرِكْهُ
.
ثَمّ « 1 » :
بالفتح ، اسم يشار به إلى المكان البعيد ، نحو :
وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ ( 64 )
[ الشعراء : 64 ] وهو ظرف لا يتصرّف ، فلذلك غلط من أعربه مفعولا ل ( رأيت ) في قوله :
وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ
[ الإنسان : 20 ] . وقرئ :
( فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ )
[ يونس : 46 ] أي : هنالك اللّه شهيد ، بدليل :
هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ
[ الكهف : 44 ] .
وقال الطبري « 2 » في قوله :
أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ
[ يونس : 51 ] معناه : هنالك ، وليست ثمّ العاطفة .
وهذا وهم ، أشبه عليه المضمومة بالمفتوحة .
وفي « التوشيح » لخطاب : ( ثمّ ) ظرف فيه معنى الإشارة إلى حيث ؛ لأنه هو في المعنى .
جعل « 3 » :
قال الراغب « 4 » : لفظ عام في الأفعال كلّها ، وهو أعمّ من فعل وصنع ، وسائر أخواتها . ويتصرف على خمسة أوجه :
هامش
( 1 ) انظر عمدة الحفاظ 1 / 330 ، والصاحبي ص 152 ، والمفردات ص 82 ، والبرهان 4 / 270 .
( 2 ) تفسير الطبري 6 / 566 .
( 3 ) انظر عمدة الحفاظ 1 / 377 - 378 ، وبصائر ذوي التمييز 2 / 383 - 385 ، والمفردات ص 94 ، ونزهة الأعين النواظر ص 228 - 230 . والبرهان 4 / 128 .
( 4 ) المفردات ص 94 .