يجوز عندي أن يخرّج عليه قوله :
أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ
[ النمل : 25 ] . وأما قوله تعالى :
أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ
[ النمل : 31 ] فليست هذه ، بل هي كلمتان : أنّ الناصبة ولا النافية ، أو ( أنّ ) المفسرة ولا الناهية .
إلّا « 1 » :
بالكسر والتشديد على أوجه :
أحدها : الاستثناء متصلا ، نحو :
فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا
[ البقرة : 249 ]
ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ
[ النساء : 66 ] . أو منقطعا ؛ نحو :
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا ( 57 )
[ الفرقان : 57 ] ،
وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ( 19 ) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ( 20 )
[ الليل : 19 . 20 ] .
الثاني : بمعنى غير ، فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه ، ويعرب الاسم الواقع بعدها بإعراب غير ، نحو :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] ، فلا يجوز أن تكون هذه الآية للاستثناء ؛ لأنّ
آلِهَةٌ
جمع منكّر في الإثبات ، فلا عموم له ، فلا يصحّ الاستثناء منه ، ولأنه يصير المعنى حينئذ : لو كان فيهما آلهة ليس فيهم اللّه لفسدتا ، وهو باطل باعتبار مفهومه .
الثالث : أن تكون عاطفة بمنزلة الواو في التشريك ، ذكره الأخفش والفرّاء وأبو عبيدة ، وخرّجوا عليه :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ
[ البقرة : 150 ] ،
لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ
[ النمل : 10 . 11 ] أي : ولا الذين ظلموا ولا من ظلم . وتأوّلهما الجمهور على الاستثناء المنقطع .
الرابع : بمعنى ( بل ) ، ذكره بعضهم ، وخرّج عليه :
ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ( 2 ) إِلَّا تَذْكِرَةً
[ طه : 2 . 3 ] أي : بل تذكرة .
الخامس : بمعنى ( بدل ) ، ذكره ابن الصائغ ، وخرّج عليه
آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ
أي بدل اللّه أو عوضه ، وبه يخرج عن الإشكال المذكور في الاستثناء وفي الوصف بإلّا من جهة المفهوم .
وغلط ابن مالك ، فعدّ من أقسامها نحو :
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ
[ التوبة : 40 ] وليست منها ، بل هي كلمتان : ( إنّ ) الشرطية و ( لا ) النافية .
فائدة « 2 » : قال الرّمّانيّ في تفسيره : معنى إلّا اللازم لها الاختصاص بالشيء دون غيره ، فإذا قلت : جاءني القوم إلّا زيدا . فقد اختصصت زيدا بأنه لم يجيء ، وإذا قلت : ما جاءني إلّا
هامش
( 1 ) انظر الصاحبي ص 138 - 142 ، والبرهان 4 / 236 ، ورصف المباني ص 171 - 178 .
( 2 ) انظر البرهان 4 / 241 .