الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
[ الأنبياء : 47 ] .
وقوله :
فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ،
قالوا : بمعنى مرضية ، وراضية أصلها مرضية ، كما في قوله :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها راضِيَةٌ
[ الغاشية : 8 - 9 ] ، إسناد الرضى للعيشة ، على أنها هي فاعلة الرضى ، لأن كلمة العيشة جامعة لنعيم الجنة وأسباب النعيم ، راضية طائعة لينة لأصحاب الجنة ، فتفجر لهم الأنهار طواعية ، وتدنو الثمار طواعية ، كما في قوله :
قُطُوفُها دانِيَةٌ
[ الحاقة : 23 ] .
فالقول الأول : هو المعروف في البلاغة بإطلاق المحل وإرادة الحال ، كقوله تعالى
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ
[ العلق : 17 ] .
والنادي : مكان منتدى القوم ، أي ينادي بعضهم بعضا للاجتماع فيه .
والمراد : من يحل في هذا النادي ، ويكون هنا أطلق المحل وهو محل العيشة ، وأراد الحال فيها .
وعلى الثاني : فهو إسناد حقيقي من إسناد الرضى لمن وقع منه أو قام به .
ومما هو جدير بالذكر أن حمله على الأسلوب البياني ليس متجها كالآية الأخرى ، لأن العيشة ليست محلا لغيرها بل هي حالة ، والمحل الحقيقي هو الجنة والعيشة حالة فيها ، وهي اسم لمعاني النعيم كما تقدم ، فيكون حمل الإسناد على الحقيقة أصح .
وقد جاءت الأحاديث : أن الجنة تحس بأهلها وتفرح بعمل الخير ، كما أنها تتزين وتبتهج في رمضان ، وأنها تناظرت مع النار « 1 » . وكل يدلي بأهله وفرحه بهم ، حتى وعد اللّه كلا بملئها .
ونصوص تلقي الحور والولدان والملائكة في الجنة لأهل الجنة بالرضى والتحية معلومة .
وقوله :
لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ
[ يس : 57 ] ، أي لا يتأخر عنهم شيء .
هامش
( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها حديث 34 و 35 و 36 ، والترمذي في صفة الجنة حديث 2561 ، وأحمد في المسند 2 / 276 ، 314 ، 507 .