الوجه الثاني : أن المعنى
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ
من شدة عظم الفرية التي افتراها الكفار على خالق السماوات والأرض جل وعلا ، من كونه اتخذ ولدا ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، وهذا الوجه جاء موضحا في سورة مريم ، في قوله تعالى :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ( 89 ) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ( 92 ) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً
( 93 ) [ مريم : 88 - 93 ] كما قدمنا إيضاحه .
وغاية ما في هذا الوجه أن آية شورى هذه فيها إجمال في سبب تفطر السماوات ، وقد جاء ذلك موضحا في آية مريم المذكورة . وكلا الوجهين حق .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة
يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ
فيه للعلماء أوجه .
قيل : يتفطرن ، أي السماوات من فوقهن أي الأرضين ، ولا يخفى بعد هذا القول كما ترى .
وقال بعضهم : من فوقهن أي كل سماء تتفطر فوق التي تليها .
وقال الزمخشري في الكشاف : فإن قلت لم قال :
مِنْ فَوْقِهِنَّ
[ الشورى : 5 ] قلت :
لأن أعظم الآيات وأدلها على الجلال والعظمة فوق السماوات ، وهي العرش والكرسي ، وصفوف الملائكة ، المرتجة بالتسبيح والتقديس حول العرش ، وما لا يعلم كنهه إلا اللّه تعالى من آثار ملكوته العظمى ، فلذلك قال :
يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ
[ الشورى : 5 ] أي يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية .
أو لأن كلمة الكفر جاءت من الذي تحت السماوات ، فكان القياس أن يقال : يتفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها الكلمة .
ولكنه بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة في وجهة الفوق . كأنه قيل : يكدن يتفطرن من الجهة التي فوقهن ، دع الجهة التي تحتهن .
ونظيره في المبالغة قوله عز وجل
يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ ( 19 ) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ
[ الحج : 19 - 20 ] فجعل الحميم مؤثرا في أجزائهم الباطنة ا ه . محل الغرض منه .
وهذا إنما يتمشى على القول بأن سبب التفطر المذكور هو افتراؤهم على اللّه في قولهم
اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً
( 88 ) [ مريم : 88 ] .
وقد قدمنا آنفا أنه دلت عليه آية مريم المذكورة وعليه فمناسبة قوله :
وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
لما قبله أن الكفار وإن قالوا أعظم الكفر وأشنعه ، فإن الملائكة