وقوله : تكاد مضارع كاد ، التي هي فعل مقاربة ، ومعلوم أنها تعمل في المبتدأ والخبر معنى كونها فعل مقاربة ، أنها تدل على قرب اتصاف المبتدأ والخبر .
وإذا ، فمعنى الآية أن السماوات قاربت أن تتصف بالتفطر على القراءة الأولى ، والانفطار على القراءة الثانية .
واعلم أن سبب مقاربة السماوات للتفطر ، في هذه الآية الكريمة ، فيه للعلماء وجهان كلاهما يدل له قرآن .
الوجه الأول : أن المعنى تكاد السماوات يتفطرن خوفا من اللّه ، وهيبة وإجلالا ، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى قبله
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
( 4 ) لأن علوه وعظمته سبب للسماوات ذلك الخوف والهيبة والإجلال ، حتى كادت تتفطر .
وعلى هذا الوجه فقوله بعده :
وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ
[ 5 ] مناسبته لما قبله واضحة .
لأن المعنى : أن السماوات في غاية الخوف منه تعالى والهيبة والإجلال له ، وكذلك سكانها من الملائكة فهم يسبحون بحمد ربهم أي ينزهونه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله ، مع إثباتهم له كل كمال وجلال ، خوفا منه وهيبة وإجلالا ، كما قال تعالى
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ
[ الرعد : 13 ] وقال تعالى
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 49 ) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
( 50 ) [ النحل : 49 - 50 ] .
فهم لشدة خوفهم من اللّه ، وإجلالهم له بسبحون بحمد ربهم ، ويخافون على أهل الأرض ، ولذا يستغفرون لهم خوفا عليهم من سخط اللّه ، وعقابه ، ويستأنس لهذا الوجه بقوله تعالى
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
إلى قوله :
وَأَشْفَقْنَ مِنْها
[ الأحزاب :
72 ] لأن الإشفاق الخوف .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ
يعني لخصوص الذين آمنوا منهم وتابوا إلى اللّه واتبعوا سبيله ، كما أوضحه تعالى بقوله :
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
[ غافر : 7 ] .
فقوله :
لِلَّذِينَ آمَنُوا
يوضح المراد من قوله :
لِمَنْ فِي الْأَرْضِ
[ الشورى : 5 ] .
ويزيد ذلك إيضاحا قوله تعالى عنهم إنهم يقولون في استغفارهم للمؤمنين
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ
[ غافر : 7 ] لأن ذلك يدل دلالة واضحة على عدم استغفارهم للكفار .