تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
قوله تعالى :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
[ 17 ] . قوله تعالى في هذه الآية الكريمة
فَهَدَيْناهُمْ
المراد بالهدى فيه هدى الدلالة والبيان ، والإرشاد ، لا هدى التوفيق والاصطفاء . والدليل على ذلك قوله تعالى بعده
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ،
لأنها لو كانت هداية توفيق لما انتقل صاحبها عن الهدى إلى العمى . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
أي اختاروا الكفر على الإيمان ، وآثروه عليه ، وتعوضوه منه . وهذا المعنى الذي ذكرنا يوضحه قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ
[ التوبة : 23 ] فقوله في آية التوبة هذه :
إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ
[ التوبة : 23 ] موافق في المعنى لقوله هنا : فاستحبوا العمى على الهدى . ونظير ذلك في المعنى قوله تعالى :
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
[ إبراهيم : 3 ] الآية . فلفظة استحب في القرآن كثيرا ما تتعدى بعلى ، لأنها في معنى اختار وآثر . وقد قدمنا في سورة هود في الكلام على قوله تعالى :
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى
[ هود : 24 ] الآية . أن العمى الكفر ، وأن المراد بالأعمى في آيات عديدة الكافر . وما تضمنته هذه الآية الكريمة ، من أن الهدى يأتي في القرآن بمعناه العام ، الذي هو البيان ، والدلالة ، والإرشاد ، لا ينافي أن الهدى قد يطلق في القرآن في بعض المواضع ، على الهدى الخاص الذي هو التوفيق ، والاصطفاء ، كقوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
[ الأنعام : 90 ] . فمن إطلاق القرآن الهدى على معناه العام قوله هنا :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ
أي بينا لهم طريق الحق وأمرناهم بسلوكها ، وطرق الشر ونهيناهم عن سلوكها على لسان نبينا صالح ، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
أي اختاروا الكفر على الإيمان بعد إيضاح الحق لهم . ومن إطلاقه على معناه العام قوله تعالى :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ
بدليل قوله بعده
إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
( 3 ) [ الإنسان : 3 ] ، لأنه لو كان هدى توفيق لما قال :
وَإِمَّا كَفُوراً
( 3 ) [ الإنسان : 3 ] . ومن إطلاقه على معناه الخاص قوله تعالى :
فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
[ الأنعام : 90 ] .