بطغيانهم ، أي بكفرهم ، وتكذيبهم نبيهم ، كقوله :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها
( 11 ) [ الشمس :
11 ] .
وخلافا لمن زعم أن الطاغية هي أشقاهم ، الذي انبعث فعقر الناقة ، وأنهم أهلكوا بسبب فعله وهو عقره الناقة ، وكل هذا خلاف التحقيق .
والصواب إن شاء اللّه هو ما ذكرنا ، والسياق يدل عليه واختاره غير واحد .
وأما قوله تعالى :
فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ
[ الشمس : 14 ] فإنه لا يخالف ما ذكرنا ، لأن معنى دمدم عليهم ربهم بذنبهم ، أي أطلق عليهم العذاب وألبسهم إياه ، بسبب ذنبهم .
قال الزمخشري في معنى دمدم : وهو من تكرير قولهم ناقة مدمومة ، إذا ألبسها الشحم .
وأما إطلاق العذاب عليه في سورة الشعراء فواضح ، فاتضح رجوع معنى الآيات المذكورة إلى شيء واحد .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة
صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ
من النعت بالمصدر ، لأن الهون مصدر بمعنى الهوان ، والنعت بالمصدر أسلوب عربي معروف ، أشار إليه في الخلاصة بقوله :
ونعتوا بمصدر كثيرا * فالتزموا الإفراد والتذكيرا
وهو موجه بأحد أمرين :
أحدهما : أن يكون على حذف مضاف . أي العذاب ذي الهون .
والثاني : أنه على سبيل المبالغة ، فكأن العذاب لشدة اتصافه بالهوان اللاحق بمن وقع عليه ، صار كأنه نفس الهوان ، كما هو معروف في محله .
وقوله تعالى :
بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
( 17 ) [ فصلت : 17 ] كالتوكيد في المعنى لقوله
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
[ فصلت : 17 ] لأن كلا منهما سبب لأخذ الصاعقة إياهم ، فالفاء في قوله : فأخذتهم سببية ، والباء في قوله بما كانوا سببية ، والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 18 )
[ 18 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، أنه أهلك ثمود بالصاعقة ، ونجى من ذلك إهلاك الذين آمنوا وكانوا يتقون اللّه ، والمراد بهم صالح ومن آمن معه من قومه .
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة ، جاء مبينا في غير هذا الموضع ، كقوله تعالى في سورة هود
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ